أحدهما: أنهم يبنونها من أموال اكتسبوها من الظلم والنهب والرشا والجهات المحظورة، فهم قد تعرضوا لسخط الله في كسبها، وتعرضوا لسخطه في إنفاقها. وكان الواجب عليهم الامتناع عن كسبها، فإذ قد عصوا الله بكسبها فالواجب عليهم التوبة والرجوع إلى الله، وردها إلى ملاكها، إما بأعيانها، وإما برد بدلها عند العجز، فإن عجزوا عن الملاك، كان الواجب ردها إلى الورثة، فإن لم يبق للمظلوم وارث فالواجب صرفها إلى أهم المصالح، وربما يكون الأهم التفرقة على المساكين، وهم لا يفعلون ذلك، خيفة من أن لا يظهر ذلك للناس، فيبنون الأبنية بالآجر، وغرضهم من بنائها الرياء، وجلب الثناء، وحرصهم على بقائها، لبقاء أسمائهم المكتوبة فيها لإبقاء الخير.
والوجه الثاني: أنهم يظنون بأنفسهم الإخلاص، وقصد الخير في الإنفاق على الأبنية. ولو كلف واحد منهم أن ينفق دينارا، ولا يكتب اسمه على الموضع الذي أنفق عليه ذلك، لم تسمح به نفسه، والله مطلع عليه كتب اسمه أو لم يكتب، ولولا أنه يريد به وجه الناس لا وجه الله لما افتقر إلى ذلك.
اشتغال الأغنياء بالعبادات البدنية
وفرقة أخرى من أرباب الأموال اشتغلوا بها يحفظون الأموال، ويمسكونها بحكم البخل، ثم يشتغلون بالعبادات البدنية التي لا يحتاج فيها إلى نفقة، كصيام النهار، وقيام الليل، وختم القرآن، وهم مغرورون، لأن البخل المهلك قد استولى على بواطنهم، فهو يحتاج إلى قمعه بإخراج المال، فقد اشتغل بطلب فضائل هو مستغن عنها! ومثاله مثال من دخل في ثوبه حية، وقد أشرف على الهلاك، وهو مشغول بطبخ السكنجبين ليسكن به الصفراء، ومن قتلته الحية متى يحتاج إلى السكنجبين؟
ولذلك قيل لبشر: إن فلانا الغني كثير الصوم والصلاة! فقال: المسكين ترك حاله ودخل في حال غيره! وإنما حال هذا إطعام الطعام للجياعـ والإنفاق على المساكين، فهذا أفضل له من تجويعه نفسه، ومن صلاته لنفسه، من جمعه للدنيا ومنعه للفقراء.
إنفاق المال في حج التطوع
ومما عاب الغزالي كذلك على المتدينين من أرباب الأموال: أنهم ربما يحرصون على إنفاق المال في الحج، فيحجون مرة بعد أخرى، وربما تركوا جيرانهم جياعا!