هذا ومما أحمد الله تعالى عليه أني تبينت منهج"التيسير"في الفتوى، و"التبشير"في الدعوة، اتباعا للمنهج النبوي الكريم، فقد بعث أبا موسى ومعاذ إلى اليمن وأوصاهما بقوله:"يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا".
وروى عن أنس أنه قال:"يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا".
قلت مرة في إجابتي عن الأسئلة بعد إحدى المحاضرات: إنني إذا وجدت أمامي قولين متكافئين أو متقاربين في مسألة شرعية، وكان أحدهما أحوط، والآخر أيسر، فإني أفتي لعموم الناس بالأيسر، وأرجحه على الأحوط.
فقال لي بعض الإخوة الحاضرين: وما دليلك على ترجيح الأيسر على الأحوط؟
قلت: دليلي هدى النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما. وأمره للأئمة في صلاة الجماعة أن يخففوا عن المأمومين، لأن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة.
قد يفتي العالم بالأحوط لبعض أهل العزائم والمتورعين من المتدينين، أما العموم فالأولى بهم الأيسر.
وعصرنا أكثر من غيره حاجة إلى إشاعة التيسير على الناس بدل التعسير، والتبشير بدل التنفير، ولا سيما من كان حديث عهد بإسلام، أو كان حديث عهد بتوبة.
وهذا واضح تمام الوضوح في هدى النبي صلى الله عليه وسلم في تعليمه الإسلام لمن يدخل فيه، فهو لا يكثر عليه الواجبات، ولا يثقله بكثرة الأوامر والنواهي، وإذا سأله عما يطلبه الإسلام منه، اكتفى بتعريفه بالفرائض الأساسية، ولم يغرقه بالنوافل، فإذا قال له الرجل: لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، قال:"أفلح إن صدق"، أو"دخل الجنة إن صدق".
بل رأيناه ـ صلى الله عليه وسلم ـ يشدد النكير على من يشدد على الناس، ولا يراعى ظروفهم المختلفة، كما فعل مع بعض الصحابة الذين كانوا يؤمون الناس، ويطيلون في الصلاة، طولا اشتكى منه بعض مأموميهم.
فقد أنكر على معاذ بن جبل تطويله، وقال له:"أفتان أنت يا معاذ؟ أفتان أنت يا معاذ؟ أفتان أنت يا معاذ".