ولكني هنا أريد أن أنبه على أشياء معينة لها أهمية خاصة بالنظر إلى واقعنا المعاصر، وما يمور به من أفكار، وما يعترك فيه من آراء، سواء بين المسلمين وخصومهم من المغتربين والعلمانيين. أم كان بين المدارس والتيارات الإسلامية المختلفة بعضها وبعض، ولا سيما الذين يعملون في ساحة الدعوة والإصلاح والعمل الإسلامي، بأهدافه المتنوعة، ومناهجه المتباينة، وفصائله المتعددة.
ما الآراء التي لا تحتمل الخلاف قط، ولا يقبل فيها رأي آخر، ولا مجال فيها لتسامح؟
وما الآراء التي تقبل نسبة ـ ولو ضئيلة ـ من التسامح؟
والآراء التي تتسع للكثير من الخلاف والتسامح؟
التفريق بين القطعي والظني
فمن المقرر لدى أهل العلم: أن ما ثبت بالاجتهاد غير ما ثبت بالنص، وأن ما ثبت بالنص وأيده بالإجماع المتيقن غير ما ثبت بالنص واختلف فيه، والاختلاف فيه دليل على أنه أمر اجتهادي، والأمور الاجتهادية لا ينكر فيها عالم على آخر، لكن يناقش بعضهم بعضا فيها بالاحترام المتبادل. كما أن ما ثبت بالنص يختلف كثيرا من حيث قطعيته وظنيته.
والقطعية والظنية ما هو ظني الثبوت، ظني الدلالة معا.
ومنها: ما هو ظني الثبوت، قطعي الدلالة.
ومنها: ما هو قطعي الثبوت، ظني الدلالة.
ومنها: ما هو قطعي الثبوت، قطعي الدلالة معا.
وظنية الثبوت تختص بالسنة غير المتواترة، والمتواتر: ما رواه جمع عن جمع من أول السند إلى منتهاه يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب، والآحاد غيره.
ومن العلماء من قال: إن التواتر في السنة عزيز، ولا يكاد يوجد، ومنهم من توسع في ذلك، حتى ذكر بعض الأحاديث الضعيفة، التي رفضها مثل الشيخين، فليحذر من دعوى التواتر بغير رهان.
ومنهم من ألحق بالمتواتر أحاديث احتفت بها القرائن مثل تلقي الأمة لها بالقبول. مثل أحاديث الصحيحين التي لم يتعقبها أحد من العلماء المعتبرين.
وظنية الدلالة تشمل السنة والقرآن جميعا: فمعظم النصوص فيها تحتمل تعدد الأفهام والتفسيرات، لأن ألفاظ اللغة بطبيعتها فيها الحقيقة والمجاز والكناية، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، وتحتمل الدلالة المطابقية، والدلالة التضمنية، والدلالة الالتزامية.