العلم عندهم هو: العلم الاستقلالي، الذي يبتع فيه الحجة، ولا يبالي أوافق زيد أو عمر من الناس، فهو يسير مع الدليل حيثما سار، ويدور مع الحق الذي يقتنع به حيثما دار.
استدل ابن القيم على منع التقليد بقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) ، قال: والتقليد ليس بعلم باتفاق أهل العلم، وذكر في"إعلام الموقعين"أكثر من ثمانين وجها في إبطال التقليد، والرد على شبهات أنصاره.
وإذا كان الجمود على ظواهر النصوص مذموما، كما هو شأن الظاهرية القدامى والجدد، فأدخل منه في الذم: الجمود على ما قاله السابقون، دون مراعاة لتغير زماننا عن زمانهم، وحاجاتنا عن حاجاتهم، ومعارفنا عن معارفهم. وأحسب لو تأخر بهم الزمن حتى رأوا ما رأينا، وعاشوا ما عشنا ـ وهم أهل الاجتهاد والنظر ـ لغيروا كثيرا من فتاواهم واجتهاداتهم. كيف وقد غير أصحابهم من بعدهم كثيرا منها، لاختلاف العصر والزمان، رغم قرب ما بين أولئك وهؤلاء؟ بل كيف وقد غير الأئمة أنفسهم كثيرا من أقوالهم في حياتهم، تبعا لتغير اجتهاداتهم، بتأثير السن أو النضج أو الزمان أو المكان؟
حتى إن الإمام الشافعي رضي الله عنه كان له مذهب قبل أن يستقر في مصر عرف باسم"القديم"، ومذهب بعد استقراره في مصر عرف باسم"الجديد". وما ذاك إلا لأنه رأى ما لم يكن قد رأى، وسمع ما لم يكن قد سمع.
والإمام أحمد قد روى عنه في القضية الواحدة عدة روايات متباينة، وما ذاك إلا لأن فتواه تختلف باختلاف الظروف والأحوال.
أولوية الدراسة والتخطيط لأمور الدنيا
وإذا كنا نقول بضرورة سبق العلم على العمل في أمور الدين، فنحن نؤكد ضرورة ذلك في شؤون الدنيا أيضا.
فنحن في عصر يؤسس كل شيء على العلم، ولم يعد يقبل الارتجال والغوغائية في أمر من أمور الحياة.
فلابد لأي عمل جاد من الدراسة قبل العزم عليه، ولابد من الإقناع بجدواه قبل البدء فيه، ولابد من التخطيط قبل التنفيذ، ولابد من الاستعانة بالأرقام والإحصاءات قبل الإقدام على العمل.