ولهذا قالوا عن الرباني: هو الذي يعلم ويعمل ويعلم، وإليه يشير قوله تعالى: (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) ، وفسر ابن عباس الربانيين فقال: حكماء فقهاء.
ويقال: الرباني: الذي يربي الناس بصغار العلمقبل كباره.
قالوا: والمراد بصغار العلم: ما وضح من مسائله، وبكباره: ما دق منها وقيل: يعلمهم جزئياته قبل كلياته، أو فروعه قبل أصوله، أو مقدماته قبل نتائجه.
والمقصود هو: التدرج في التعليم، ومراعاة ظروف المتعلمين، وقدراتهم، والترقي بهم من درجة إلى أخرى.
ومما يوجبه العلم في مقام الدعوة والتعليم: أن يأخذ الداعية والمعلم الناس بالتيسير لا التعسير، وبالتبشير لا التنفير. كما في الحديث المتفق عليه:"يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا".
قال الحافظ في شرح الحديث: المراد تأليف من قرب إسلامه، وترك التشديد عليه في الابتداء، وكذلك الزجر عن المعاصي، ينبغي أن يكون بالتدريج، لأن الشيء إذا كان في ابتدائه سهلا، حبب إلى من يدخل فيه، وتلقاه بانبساط، وكانت عاقبته غالبا الازدياد، بخلاف ضده.
وليس التيسير مقصورا على قريب العهد بالإسلام، كما قد يفهم من كلام الحافظ، بل هو أمر عام ودائم، ولكنه ألزم ما يكون لحديث العهد بالإسلام أو بالتوبة، أو بكل من يحتاج إلى التخفيف من مريض أو كبير سن أو ذي حاجة.
ومن مقتضيات العلم: أن يجرعوا من المعارف الدينية ما يطيقونه، وتسيغه معدتهم العقلية، ولا يحدثوا بما تنكره عقولهم، فيكون ذلك فتنة عليهم أو على بعضهم.
وفي هذا يقول علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون: أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!
ويقول ابن مسعود رضي الله عنه: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة.
أولوية الفهم على مجرد الحفظ
وأحب أن أنبه هنا ـ ونحن نتحدث عن أسبقية العلم على العمل ـ على أمر مهم، يدخل في فقه الأولويات أيضا. وهو: أولوية علم الدراية على علم الرواية، وبعبارة أخرى، أولوية الفهم والفقه على مجرد الاستيعاب والحفظ: والعلم الحقيقي هو الذي يتمثل في الفهم والهضم.