روى عنه أنه جلس يوما مع بعض أصحابه في دار رحبة، فقال لهم: تمنوا، فقال أحدهم: أتمنى أن يكون لي ملء هذه الدار دارهم من فضة أنفقتها في سبيل الله، وتمنى آخر أن يكون له ملؤها ذهبا ينفقه في سبيل الله، أما عمر فقال: لكني أتمنى ملء هذه الدار رجالا مثل أبى عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبى حذيفة، فأستعملهم في سبيل الله.
وفي عصرنا بلغ عدد المسلمين في العالم ما يجاوز المليار وربع المليار من البشر. ولكنهم للأسف الشديد كما وصفهم الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود عن ثوبان:"يوشك أن تتداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها"، قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال:"بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولنزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن"، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال:"حب الدنيا وكراهية الموت".
لقد بين هذا الحديث أن الكثرة وحدها لا تغني، إذا كانت منتفخة من الخارج، واهنة من الداخل، كما في المراحل"الغثائية"من حياة الأمة، التي تتصف الأمة فيها بما يتصف به الغثاء من الخفة، وعدم التجانس، وفقدان الهدف والطريق، كما هو شأن غثاء السيل.
العناية إذن يجب أن تتجه إلى الكيف والنوع لا مجرد الكم، والمقصود بـ"الكم"هنا: كل ما يعبر عن مقدار الجانب المادي وحده، من كثرة العدد، أو سعة المساحة، أو كبر الحجم، أو ثقل الوزن، أو طول المدة، أو غير ذلك مما يدخل في هذا المجال.
وما قلناه في كثرة العدد نقوله في الأمور الأخرى.
فالإنسان مثلا لا يقاس بطول قامته، أو قوة عضلاته، أو ضخامة جسمه، أو جمال صورته، فهذه كلها خارجة عن جوهره وحقيقة إنسانيته، فما الجسم ـ في النهاية ـ إلا غلاف الإنسان ومطيته، أما حقيقة الإنسان فما هو إلا العقل والقلب.
وقد وصف الله تعالى المنافقين بقوله: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم) .
كما وصف عادا على لسان نبيه هود بقوله: (وزادكم في الخلق بسطة) .
ولكن هذه البسطة في الخلق جعلتهم يغترون ويستكبرون كما قال تعالى: (فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة) .