وفي صلح الحديبية: رأينا النبي صلى الله عليه وسلم، يُغلِّب المصالح الجوهرية والأساسية والمستقبلية، على المصالح والاعتبارات الشكلية، التي يتشبث بها بعض الناس. فقبل من الشروط ما قد يظن - لأول وهلة - أن فيه إجحافاً بالجماعة المسلمة، أو رضا بالدون .. ورضي أن تٌحذف"البسملة"المعهودة من وثيقة الصلح، ويكتب بدلها:"باسمك اللَّهم". وأن يُحذف وصف الرسالة الملاصق لاسمه الكريم:"محمد رسول الله"، ويُكتفى باسم"محمد بن عبد الله"! ليكسب من وراء ذلك"الهدنة"التي يتفرغ فيها لنشر الدعوة، ومخاطبة ملوك العالم. ولا غرو أن سمَّاها القرآن:"فتحاً مبيناً".. والأمثلة على ذلك كثيرة.
الموازنة بين المفاسد و المضار بعضها وبعض
وفي القسم الثاني - المفاسد والمضار - نجد أنها كذلك متفاوتة كما تفاوتت المصالح.
فالمفسدة التي تعطل ضرورياً، غير التي تعطل حاجياً. غير التي تعطل تحسينياً.
والمفسدة التي تضر بالمال دون المفسدة التي تضر بالنفس، وهذه دون التي تضر بالدين والعقيدة.
والمفاسد أو المضار متفاوتة في أحجامها وفي آثارها وأخطارها.
ومن هنا قرر الفقهاء جملة قواعد ضابطة لأهم أحكامها. منها:
لا ضَرر ولا ضِرار.
الضرر يُزال بقدر الإمكان.
الضرر لا يُزال بضرر مثله أو أكبر منه.
يُرتكب أخف الضررين وأهون الشرين.
يُحتمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى.
يُحتمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.
الباب الثالث: أولوية الكيف على الكم
من الأولويات المهمة شرعا: تقديم الكيف والنوع على الكم والحجم، فليست العبرة بالكثرة في العدد، ولا بالضخامة في الحجم: إنما المدار على النوعية والكيفية.
لقد ذم القرآن الأكثرية إذا كان أصحابها ممن لا يعقلون أو لا يعلمون أو لا يؤمنون أو لا يشكرون: كما نطقت بذلك آيات وفيرة من كتاب الله: (بل أكثرهم لا يعقلون) ، (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ، (ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) ، (ولكن أكثر الناس لا يشكرون) .
(وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) .