والحكمة تقتضي تمييز المحسن من المسيء، والظالم من المظلوم، والمؤمن من الكافر، وإكرام من أطاع، وإهانة من عصى، والقصاص للمظلوم ممن ظلمه: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) } [الجاثية: 21] .
والدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، والإنسان في الدنيا لا يزال في الحبس:
فأول الحبوس صُلب الأب .. وثانيها بطن الأم .. وثالثها المهد .. ورابعها الكد على العيال .. وخامسها مرض الموت .. وسادسها القبر.
فإن خرجت منه إلى الجنة نسيت مرارة كل حبس تقدم.
وإن خرجت منه إلى النار، فذاك حبس الأبد، وخسارة الأبد.
فالناس يوم القيامة قسمان:
إما خارج من سجن الدنيا إلى الجنة .. وإما ذاهب إلى سجن الآخرة إلى الأبد.
وأوحش ما يكون ابن آدم في ثلاثة مواطن:
يوم يولد فيخرج من بطن أمه إلى دارهم .. ويوم يموت ويدفن مع الموتى فيجاور جيراناً لم ير مثلهم .. ويوم يبعث فيشهد مشهداً لم ير مثله قط.
ولذلك قال عيسى بن مريم: {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) } [مريم: 33] .
والدين بالنسبة للعباد قسمان:
دين شرعي أمري .. ودين حسابي جزائي.
وكلاهما لله وحده، فالدين كله أمراً وجزاءً لله وحده لا شريك له.
والمحبة أصل ذلك كله:
فما شرعه الله لعباده وأمر به، فإنه يحبه ويرضاه، وما نهى عنه فإنه يكرهه
ويبغضه، لمنافاته لما يحبه ويرضاه.
ودين العبد لله به إنما يقبل إذا كان عن محبة ورضى.
وكذلك دين الله الجزائي، فإنه يتضمن مجازاة المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، وكل من الأمرين محبوب للرب عزَّ وجلَّ، فإنهما عدله وفضله، وكلاهما من صفات كماله.
والله عزَّ وجلَّ يحب أسماءه وصفاته، ويحب من يحبهما، ويحب من يعمل بموجبهما.
وكل واحد من الدينين:
الأمري الشرعي، والحسابي الجزائي .. صراطه المستقيم الذي هو عليه.