الطيبي: كان المناسب ترتيب المعاهدة والبراءة كليهما إما إلى المؤمنين معا، أو إلى ذاته عز وجل معا، قال: ما سبب الترتيب، ولماذا خص البراءة بالله ورسوله مع أن المعاهدة مع المسلمين، وحق البراءة أن تنسب إلى المعاهدة؛ لأن الله تعالى أذن في المعاهدة فكأنه خاص وبريء، وأجاب الزمخشري بأن ذلك إعلام بحسب الوقوع وترتيب الوجوه، أذن الله لرسوله والمؤمنين أولا بالمعاهدة فعاهدوا ثم لما نقض المشركون العهد خبره الله إعلاما آخر، وقال: اعلموا أن الله ووسوله بريء منهم فتبرأوا منهم أنتم أيضا، ويمكن أن يقال: المعاهدة لم تكن إلا بإذن الله وإباحته، فلما نبذ المشركون العهد نسب الله تعالى البراءة إلى نفسه وضم معه ذكر الرسول غضبا عليهم وتهديدا شديدا فيطلق عليه قول الزمخشري أولا أذن الله، وثانيا: أوجب الله النية]، وقال صاحب الانتصاف: فيه شيء وذلك أنه لا يستند العهد إلى الله تعالى في مقام توهم فيه شائبة النقص إجلالا وتعظيما لكبريائه، ألا ترى وصية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأمير السرايا، فإذا نزلت بحصن فطلبوا النزول على حكم الله
تعالى، فأنزلهم على حكمك، فإنك لَا تدري أصادفت حكم الله فيهم أولا؟، وإن طلبوا ذمة الله فأنزلهم على ذمتك، فلأن تخفر ذمتك خير من أن تخفر ذمة الله، فتوقير عهد الله واجب، وقد تحقق من المشركين النكث، وتبرأ الله ورسوله منه، فأحرى أن لَا ينسب العهد المنبوذ إلى الله تعالى.
الزمخشري: قال علي يوم النحر، قال: أمرت بأربع:
أن لَا يقرب هذا البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده.
الطيبي: قوله: أمرت بأربع؛ أي أن أنادي بأربع.
فإن قلت: ما فائدة النداء بقوله: ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، قلت: الإعلام بأن المشرك لَا يقبل منه بعد هذا غير الإيمان، لقوله تعالى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ) إلى قوله (سَبِيلَهُم) وهو من باب لا أرينك هاهنا؛ يعني أمرت بأن يتصفوا بما يستحقوا به أن يكون أهلا إذ لَا يقبل منهم سواه].
قوله تعالى: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ ... (2) }