(ذِكْرُ الْفَتَى عُمْرُهُ الثاني وحاجته ... ما فاته وَفُضُولُ الْعَيْشِ أَشْغَالُ)
سُبْحَانَ مَنْ أَيْقَظَ الْمُتَّقِينَ وَخَلَعَ عَلَيْهِمْ خِلَعَ الْيَقِينِ, وَأَلْحَقَهُمْ بِتَوْفِيقِهِ بِالسَّابِقِينَ, فَبَاتُوا فِي جِلْبَابِ الْجِدِّ مُتَسَابِقِينَ.
(سَجْعٌ عَلَى قوله تعالى {وجلت قلوبهم} )
كُلَّمَا أَذْهَبَ الأَعْمَارَ طُلُوعُهُمْ وَغُرُوبُهُمْ, سَالَتْ مِنَ الأَجْفَانِ جَزَعًا غُرُوبُهُمْ,
وَكُلَّمَا لاحَتْ لَهُمْ فِي مِرْآةِ الْفِكْرِ ذُنُوبُهُمْ تَجَافَتْ عَنِ الْمَضَاجِعِ خَوْفًا جُنُوبُهُمْ, وَكُلَّمَا نَظَرُوا فَسَاءَهُمْ مَكْتُوبُهُمْ {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} .
دُمُوعُهُمْ عَلَى الدَّوَامِ تَجْرِي, وَعِزَّتِي: لأُرْبِحَنَّهُمْ فِي مُعَامَلَتِي وَتَجْرِي, عَظُمَتْ قُدْرَتِي فِي صُدُورِهِمْ وَقَدْرِي, فَاسْتَعَاذُوا بِوَصْلِي مِنْ هَجْرِي, عَامَلُوا مُعَامَلَةَ مَنْ يَفَهْمُ وَيَدْرِي, فَنَوْمُهُمْ عَلَى فِرَاشِ الْقَلَقِ وَهُبُوبُهُمْ {إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}
أَمْوَاتٌ عَنِ الدُّنْيَا مَا دُفِنُوا, أَغْمَضُوا عَنْهَا عُيُونَهُمْ وَحَزِنُوا, وَلَوْ فَتَحُوا أَجْفَانَ الشَّرَهِ لَفُتِنُوا, بَاعُوهَا بِمَا يَبْقَى فَلا وَاللَّهِ مَا غُبِنُوا, تَاللَّهِ لَقَدْ حَصَلَ مَطْلُوبُهُمْ {إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} .
حَبَسُوا النُّفُوسَ فِي سِجْنِ الْمُحَاسَبَةِ, وَبَسَطُوا عَلَيْهَا أَلْسُنَ الْمُعَاتَبَةِ, وَمَدُّوا نَحْوَهَا أَكُفَّ الْمُعَاقَبَةِ, وَتَحِقُّ لِمَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمُنَاقَشَةِ وَالْمُطَالَبَةِ, فَارْتَفَعَتْ بِالْمُعَاتَبَةِ عيوبهم
{إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} .
شَاهَدُوا الأُخْرَى بِالْيَقِينِ كَرَأْيِ الْعَيْنِ, فَبَاعُوا الْعَقَارَ وَأَخْرَجُوا الْعِينَ, وَعَلِمُوا بِمُقْتَضَى الدِّينِ أَنَّ التُّقَى دَيْنٌ, فَدُنْيَاهُمْ خَرَابٌ وَأُخْرَاهُمْ عَلَى الزَّيْنِ, قَدْ قَنَعُوا بِكِسْرَتَيْنِ وَجَرْعَتَيْنِ, هَذَا مَأْكُولُهُمْ وَهَذَا مَشْرُوبُهُمْ {إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} . والحمد لله وحده.
وأنشدوا:
(عُمْرٌ يَنْقَضِي وَذْنَبٌ يَزِيدُ ... وَرَقِيبٌ يُحْصِي عَلَيَّ شَهِيدُ)
(وَاقْتِرَابٌ مِنَ الْحِمَامِ وَتَأْمِيلٌ ... لِطُولِ الْبَقَاءِ عِنْدِي جَدِيدُ)