كَيْفَ لا يَخَافُ مَنْ قَلْبُهُ بِيَدِ الْمُقلِّبِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ عمي يَسْلَمُ, مَنْ ظَنَّ أَنَّ برصِيصَا يَكْفُرُ, رُبَّ غَرْسٍ مِنَ الْمُنَى أَثْمَرَ, وَكَمْ مِنْ مُسْتَحْصَدٍ تَلِفَ, كَرَّةُ الْقَلْبِ بِحُكْمِ صَوْلَجَانِ التَّقْلِيبِ, إِنْ وَقَفَتِ الْكَرَّةُ طُرِدَتْ وَإِنْ بَعُدَتْ طُلِبَتْ, لِيَبِينَ سِرٌّ, لَوْ وُزِنَ خَوْفُ الْمُؤْمِنِ وَرَجَاؤُهُ لاعْتَدَلا, نادى نادي البعد ألا {تقنطوا} ويقال للمذنبين {ويحذركم الله نفسه} لَمَّا قُرِّبَ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ اهْتَزَّتِ الْمَلائِكَةُ فَخْرًا بِقُرْبِ جِنْسِهَا مِنْ جَنَابِ الْعِزَّةِ, فَقَطَعَ مِنْ أَغْصَانِهَا شَجَرَةَ هَارُوتَ, وَكَسَرَ غُصْنَ مَارُوتَ, وَأَخَذَ من لبها كرة {وإن عليك لعنتي} فَتَزَوَّدَتْ فِي سَفَرِ الْعُبُودِيَّةِ زَادَ الْحَذَرِ, وَقَادَتْ فِي سَبِيلِ مَعْرُوفِهَا نُجُبَ التَّطَوُّعِ لِلْمُنْقَطِعِينَ {وَيَسْتَغْفِرُونَ لمن في الأرض} .
نُودِيَ مِنْ نَادِي الإِفْضَالِ: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فله عشر أمثالها} فسارت نَجَائِبُ الأَعْمَالُ إِلَى بَابِ الْجَزَاءِ, فَصِيحَ بِالدَّلِيلِ: {لولا أن ثبتناك} فَقَالَ: {مَا مِنْكُمْ مَنْ يُنَجِّيهِ عَمَلُهُ} .
رَحِمَ اللَّهُ أَعْظُمًا طَالَمَا نَصِبَتْ وَانْتَصَبَتْ, جَنَّ عَلَيْهَا الليل فلما تمكن وثبتَ وثبتْ, إِنْ ذَكَرَتْ عَدْلَهُ ذَهَبَتْ وَهَرَبَتْ, وَإِنْ تَصَوَّرَتْ فَضْلَهُ فَرِحَتْ وَطَرِبَتْ, اعْتَرَفَتْ إِذْ نَبَتْ عَنْ طَاعَتِهِ أَنَّهَا قَدْ أَذْنَبَتْ, وَقَفَتْ شَاكِرَةً لِمَنْ لَحْمُهَا عَلَى جُودِهِ نَبَتَ, هَبَّتْ عَلَى أَرْضِ
الْقُلُوبِ عَقِيمُ الْحَذَرِ فَاقْشَعَرَّتْ وَنَدَبَتْ, فَبَكَتْ عَلَيْهَا سَحَائِبُ الرَّجَاءِ فَاهْتَزَّتْ وَرَبَتْ.
بِحَسْبِكَ أَنَّ قَوْمًا مَوْتَى تَحْيَا بِذِكْرِهِمُ النُّفُوسُ, وَأَنَّ قَوْمًا أَحْيَاءَ تَقْسُو بِرُؤْيَتِهِمُ الْقُلُوبُ! رَحَلَ الْقَوْمُ وَبَقِيَتِ الآثَارُ فِي الآثَارِ, سَأَلُوا طُلُولَ التَّعَبُّدِ عَنْهُمْ فَقَالَتْ خَلَتِ الدِّيَارُ.
(إِذَا دَمْعِي شَكَا الْبَيْنَ بَيْنَهَا ... شَكَا غَيْرُ ذِي نُطْقٍ إِلَى غَيْرِ ذِي فَهْمِ)