أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن ليحكم في أمر السيف إلا بعد أن ينزل حكم الله عز وجل . ونعلم جميعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى غزوة بدر ولم يكن يقصد القتال ، بل كان الخروج للعير التي تحمل بضائع قريش القادمة من الشام ، وليس معها إلا بعد أربعون رجلاً يحرسونها ، ولذلك خرج المسلمون وكان عددهم ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً وليس معهم عدة أو عتاد ، بل لم يكن لديهم إلا فرسان اثنان لأنهم لم يخرجوا لقتال ، بل خرجوا للعير بغية أن يعوضوا أنفسهم شيئاً مما سُلبوه في مكة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان سلك طريق الساحل . أي سار في طريق بعيد عن المسلمين ولم يأت من جهة الرسول والذين معه ، واستنفرت قريش كل رجالها ليحموا العير ، وصار الأمر بين أن يرجع المؤمنون دون حرب ، وإما أن يواجهوا النفير ، وهو التعداد الكثير ، وكانوا ألفاً ومعهم العُدّة والعتاد ، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشجع الفتيان على الحرب فقال لهم:"من قتل كافراً فله سلبه"، أي أنه خصّهم بأمر زائد عن سهمهم في الغنيمة . فلما علم الكبار من الصحابة والشيوخ ، قالوا: يا رسول الله هم قاتلوا وقتلوا ، لكن نحن كنا عند الرايات ، يفيئون إلينا إن وقعت عليهم هزيمة فلا بد أن نتشارك ، وحدث لغط وخلاف ، فحسم الله سبحانه وتعالى هذا اللغط بأن أنزل قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول فاتقوا الله} .
فبين سبحانه أن الحكم في قسمة الغنائم بين الجميع لله وللرسول وإياكم أن تخرجوا عن أمر الله فيها ، واجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية . فلا تنازعوا ولا تختلفوا {وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} .