قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي أَيْ: إِنَّكَ لَا تَرَانِي الْآنَ ، وَلَا فِيمَا تَسْتَقْبِلُ مِنَ الزَّمَانِ ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - عَلَى ذَلِكَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى تَعْلِيلِ النَّفْيِ ، وَيُخَفِّفُ عَنْ مُوسَى شِدَّةَ وَطْأَةِ الرَّدِّ ، بِإِعْلَامِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مِنْ سُنَّتِهِ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَقْوَى شَيْءٌ فِي هَذَا الْكَوْنِ عَلَى رُؤْيَتِهِ ، كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى عِنْدَ مُسْلِمٍ حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ فَقَالَ: وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ، فَإِنَّنِي سَأَتَجَلَّى لَهُ فَإِنْ ثَبَتَ لَدَى التَّجَلِّي بَقِيَ مُسْتَقِرًّا فِي مَكَانِهِ فَسَوْفَ تَرَانِي ، لِمُشَارَكَتِكَ لَهُ فِي مَادَّةِ هَذَا الْعَالَمِ الْفَانِي ، وَإِذَا كَانَ الْجَبَلُ فِي قُوَّتِهِ وَرُسُوخِهِ لَا يَثْبُتُ ، وَلَا يَسْتَقِرُّ لِهَذَا التَّجَلِّي ؛ لِعَدَمِ اسْتِعْدَادِ مَادَّتِهِ لِقُوَّةِ تَجَلِّي خَالِقِهِ وَخَالِقِ كُلِّ شَيْءٍ ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تَرَانِي أَيْضًا ، وَأَنْتَ مُشَارِكٌ لَهُ فِي كَوْنِكَ مَخْلُوقًا مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ ، وَخَاضِعًا لِلسُّنَنِ الرَّبَّانِيَّةِ فِي قُوَّتِهَا ، وَضَعْفِ اسْتِعْدَادِهَا وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (4: 28) وَقَبُولِهَا لِلْفَنَاءِ .