فالتكليف يستبطن سيرا تدريجيا للإنسان بحسب حالاته وملكاته النفسانية نحو كماله وسعادته يستكمل بطي هذا الطريق والعمل بما فيه طورا بعد طور حتى ينتهي إلى ما هو خير له وأبقى، ويخيب مسعاه إن لم يعمل به كالفرد من سائر الأنواع الذي يسير نحو كماله فينتهي إليه أن ساعدته موافقة الأسباب، ويفسد في مسيره نحو الكمال أن خذلته ومنعته.
فقول القائل"وما الفائدة في التكليف؟"كقوله ما الفائدة في تغذي النبات؟ أو ما الفائدة في تناسل الحيوان من غير نفع عائد؟.
وأما قوله:"وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف"مغالطة أخرى لما عرفت أن التكليف في الإنسان أو أي موجود سواه يجري في حقه التكليف واقع في طريق السعادة متوسط بين كماله ونقصه في وجوده الذي إنما يتم ويكمل له بالتدريج، فإن كان المراد بتحصيل ما يعود من التكليف إلى المكلفين من غير واسطة التكليف تعيين طريق آخر لهم بدلا من طريق التكليف ووضع ذاك الطريق موضع هذا الطريق وحال الطرقين في طريقيتهما واحد عاد السؤال في الثاني كلاول: لم عين هذا الطريق وهو قادر على تحصيل ما يعود منه إليهم يغيره؟ والجواب أن العلل والأسباب التي تجمعت على الإنسان مثلا على ما نجدها تقتضي أن يكون مستكملا بالعمل بتكاليف مصلحة لباطنه مطهرة لسره من طريق العادة.
وإن كان المراد بتحصيله من غير واسطة التكليف تحصيله لهم من غير واسطة أصلا وإفاضة جميع مراحل الكمال ومراتب السعادة لهم في أول وجودهم من غير تدريج بسلوك طريق فلازمه بطلان الحركات الوجودية وانتقاء المادة والقوة وجميع شؤون الامكان والموجود المخلوق الذي هذا شأنه مجرد في بدء وجوده تام كامل سعيد في أصل نشأته، وليس هو الإنسان المخلوق من الأرض الناقص أولا المستكمل تدريجيا ففي الفرض خلف.