وذكروا أن لسان ميزان الحق هو صفة العدل وإحدى كفتيه هو عالم الحس والكفة الأخرى هو عالم العقل فمن كانت مكاسبه من المعقولات الباقية والأخلاق الفاضلة والأعمال الخيرية المقرونة بالنية الصادقة ثقلت أي كانت ذا قدر وأفلح هو أي فاز بالنعيم الدائم ومن كانت مقتنياته من المحسوسات الفانية واللذات الزائلة والشهوات الفاسدة والأخلاق الرديئة خفت ولم يعتن بها وخسر هو نفسه لحرمانه النعيم هلاكه {وَلَقَدْ مكناكم فِى الأرض} إذ جعلناكم خلفاء فيها {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش} متعددة دون غبركم فإن له معيشة واحدة، وذلك لأن الإنسان فيه ملكية وحيوانية وشيطانية فمعيشة روحه معيشة الملك ومعيشة بدنه معيشة الحيوان ومعيشة نفسه الأمارة معيشة الشيطان.
وله معايش غير ذلك وهي معيشة القلب بالشهود ومعيشة السر بالكشوف ومعيشة سر السر بالوصال"قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ" [الأعراف: 10] ولو شكرتم ما رضيتم بالدون.
{وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم} أي ابتدأنا ذلك بخلق آدم عليه السلام وتصويره {ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ} فإنه المظهر الأعظم، وفي الخبر"خلق الله آدم على صورته"وفي رواية"على صورة الرحمن" {فَسَجَدُواْ} وانقادوا للحق {إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مّنَ الساجدين} [الأعراف: 11] لنقصان بصيرته {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: 12] أراد اللعين أنه من الحضرة الروحانية وأن آدم عليه السلام ليس كذلك {قَالَ فاهبط مِنْهَا} أي من تلك الحضرة {فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} لأن الكبر ينافيها {فاخرج إِنَّكَ مِنَ الصاغرين}