والمعنى: فبأي شيء أغويتني؟ والأوّل: أولى.
ومراده بهذا الإغواء الذي جعله سبباً لما سيفعله مع العباد هو ترك السجود منه، وأن ذلك كان بإغواء الله له، حتى اختار الضلالة على الهدى.
وقيل: أراد به اللعنة التي لعنه الله، أي فبما لعنتني فأهلكتني، لأقعدنّ لهم ومنه: {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً} [مريم: 59] أي هلاكاً.
وقال ابن الأعرابي: يقال: غوى الرجل يغوي غياً، إذا فسد عليه أمره أو فسد هو في نفسه، ومنه: {وعصى ءادَمَ رَبَّهُ فغوى} [طه: 121] أي فسد عيشه في الجنة {لأقْعُدَنَّ لَهُمْ} أي لأجهدنّ في إغوائهم حتى يفسدوا بسببي كما فسدت بسبب تركي السجود لأبيهم.
والصراط المستقيم هو الطريق الموصل إلى الجنة.
وانتصابه على الظرفية، أي في صراطك المستقيم كما حكى سيبويه ضرب زيد الظهر والبطن، واللام في (لأقعدنّ) لام القسم، والباء في {فبِمَآ أَغْوَيْتَنِى} متعلقة بفعل القسم المحذوف، أي فبما أغويتني أقسم لأقعدنّ.
قوله: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ} ذكر الجهات الأربع؛ لأنها هي التي يأتي منها العدو عدوّه، ولهذا ترك ذكر جهة الفوق والتحت، وعدى الفعل إلى الجهتين الأوليين"بمن"، وإلى الآخريين"بعن"، لأن الغالب فيمن يأتي من قدام وخلف أن يكون متوجهاً إلى ما يأتيه بكلية بدنه، والغالب فيمن يأتي من جهة اليمين والشمال أن يكون منحرفاً، فناسب في الأوليين التعدية بحرف الابتداء، وفي الأخريين التعدية بحرف المجاوزة، وهو تمثيل لوسوسته وتسويله بمن يأتي حقيقة.
وقيل المراد: {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} من دنياهم {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} من آخرتهم {وَعَنْ أيمانهم} من جهة حسناتهم {وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ} من جهة سيئاتهم، واستحسنه النحاس.