الكلام الكريم لَا يزال فيما حرموه على أنفسهم مما أحله لهم وآتاهم من رزق، وقد طالبهم الله تعالى بما عندهم من علم أي علم بأن الله تعالى حرم هذا، فلم يكن علم أوتوه، ولكن أوهام سيطرت عليهم، والآن يطالبهم ليشهدوا أن الله حرم هذا ولذا قال تعالى: (قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا) .
(هَلُمَّ) اسم فعل أمر بمعنى ادعوا أو هاتوا شهداءكم، أي الذين تعدونهم قدوتكم، والفضلاء فيكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا.
وإن هذا الكلام سائر مع سيأتي القول في تحريم ما أحل الله من رزق فجعلوا منه حراما وحلالا، فقد بين الله سبحانه وتعالى في الآية السابقة أنهم لا يستيقنون بشيء إن يظنون إلا ظنا، وأنهم يخرصون أو يكذبون، ولذلك دعاهم إلى أن يحضروا أماثلهم ليشهدوا أن الله تعالى حرم هذا، وإنهم حينئذ يرفضون، وذلك لأن أماثل العرب لَا يشهدون كاذبين، وإن كانوا كافرين، وإنا لنذكر أن أبا سفيان - زعيم الشرك قبل الفتح المبارك لمكة - عندما سأله هرقل أجاب إجابة صريحة صادقة وهو متململ، وقال: لولا أني أخشى أن تحفظ عني كذبة في العرب لكذبت. فما كان الأماثل منهم يسارعون إلى الكذب أو يرضونه. طلب الله أن يحضروا شهداء ليشهدوا أن الله حرم هذا، وإنهم لَا يشهدون.
ولكن حال تكذيبهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -، واتباعهم أهواءهم، وسيطرة الأوهام عليهم قد تغلب عليهم نزعة الصدق، ولذا كان أمر الله تعالى الذي أمره بدعوتهم بأنهم إن شهدوا بالباطل، وليس بمستحيل على من أشرك فقد تدفعه لجاجة الكفر إلى أن يطمس معالم الحق فيكذب، إن شهدوا بغير الحق، (فَلا تَشْهَدْ مَعَهمْ) أي فلا تصدقهم؛ لأن الهوى قد يغلبهم على سجيتهم، ومن يشرك لَا يؤمن كذبه، ولو كان من أهل الصدق، ولذا قال تعالى: (فَإِن شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ) أي فإن غلب عليهم فشهدوا بالباطل كما ذكر، فأنكر عليهم شهادتهم، ولا تشهد معهم، ولا تسايرهم، وهذا معنى قوله تعالى: (فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ) أي فلا تسايرهم في كذبهم الذي ينبعث من الهوى، ولذا قال تعالى من بعد.