والنفوس تتطلع دائماً إلى النهايات .. والله عزَّ وجلَّ أخَّر أفضل الكتب .. وأفضل الرسل .. وأفضل الشرائع .. وأفضل الأمم إلى آخر الزمان .. وجعل الآخرة خيراً من الأولى.
فلما افتتح الله عزَّ وجلَّ خلق هذا العالم بالقلم، كان من أحسن المناسبة أن يختمه بخلق الإنسان.
فإن القلم آلة العلم، والإنسان هو العالم.
ولهذا أظهر الله فضل آدم على الملائكة بالعلم الذي خصه به دونهم.
وقد خلق الله جل جلاله آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، إظهاراً لشرفه، وأسكنه جنته.
ولما تم خلقه في أحسن تقويم، وظهر كمال آدم على غيره، جرى قدر الله بالذنب، ليتبين أثر العبودية في الذل، وما زالت تلك الأكلة من الشجرة تعاوده وتخيفه، حتى استولى داؤه على أولاده.
فأرسل إليهم اللطيف الخبير الدواء على أيدي من اختارهم، واصطفاهم
واجتباهم من أنبيائه ورسله كما قال سبحانه: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) } [البقرة: 38 - 39] .
فحماهم الشافي بالمناهي .. وحفظ القوة بالأوامر .. واستفرغ منهم الأخلاط الرديئة بالتوبة .. فجاءت إليهم العافية من كل ناحية.
وتزينت قلوبهم بالإيمان، وتجملت بالتقوى، وتحلت جوارحهم بالطاعات، ورضي عنهم ربهم، وصاروا أئمة في الخير.
ولما سلم لآدم أصل العبودية لم يقدح فيه الذنب، وحين علم اللطيف الخبير أن ذنب عبده لم يكن قصداً لمخالفته، ولا قدحاً في حكمته، علمه كيف يعتذر إليه: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) } [البقرة: 37] .
فآدم - صلى الله عليه وسلم - لم يرد بمعصيته مخالفة سيده، ولا الجرأة على محارمه، ولكنها غلبات الطبع، وتزيين النفس والشيطان، فألهمه الله التوبة، وقبلها منه.
وفي خلق آدم من الطين سر عجيب، فالطين مركب من أصلين:
الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي .. والتراب الذي جعله الله خزانة المنافع والنعم.