(وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا) والحجب فعله ومقدوره في مشيئته إذا
شاء جل ذكره وتعالى علاؤه وجدّه حجبهم عنه، وإذا شاء أراهم نفسه بوعده الكريم
وفضله العظيم، فلذلك جاز أن يوصف بأنه مكان فهو الغني عن كل شيء بكل
معنى، وعلى كل وجه، وعلى ذلك فهو الله في السماوات وفي الأرض(ثُمَّ اسْتَوَى
عَلَى الْعَرْشِ).
وهو الموصوف المعلوم بأنه (مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) .
وأنه ما يكون(مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا
أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
وهو الذي لا يحصره العدد، وهو أقرب إلى القلب من وريده، وإلى
الروح من حياته، وإلى البمر من نظره، وإلى اللسان من ريقه، بقرب هو وصفه لا
تقريب ولا تقرب.
وأما وصفه جل وعلا بمكان أو ترتيب زمان، أو ذكر عدد، وما نحا نحو هذا،
فهو نزول منه - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه بوصفه الذي هو وصف له من حيث هو،
إلى ما شاء من مفعوله ما شاء من حكمه، لولا وصف التنزل بما شاء من حكمه،
لولا وصف التنزل والاستواء ما فهِم عنه معنى من معانيه في خليقته، فافهم يقرب
عليك البعيد.
والله يفعل ما يريد لا يعدو عليه فعله، ولا يمانعه في حكمته عبده، وبه تعرف
المعارف لا بها يُعرف، وإليه تتحاكم الألباب لا هو إليها يتحاكم، فاعقل خطاب
ربك واعبده كما أمرك، وتوكل عليه هو فوق كل شيء ، ومحيط بكل شيء ، ليس
محيطًا به شيء الرحمن اسمه، والاستواء نعته وفعله، والعرش خلقه منفصل من
صفاته، لا يخلو منه مكان، وعلى ذلك فليس هو بمضطر إلى مكان؛ إذ المكان لا
يجوز عليه ولا تسعه الأمكنة.
لما كان هذا خطابًا ينبئ عنه - جلَّ جلالُه - وعن مفعوله، كان لذلك الخطاب ذا جهتين،
والأنباء ذا عرفين وجه الخطاب تعرف المفعول، وخرج الإنباء بمعهود الغير، وأما
وصفه هو من حيث هو وصف له، فليست العبارات له بمدركة، ولا معهودات