فإن ثبثت هذه الأخبار فهو ما ذكر فيها أن الظلم هو الشرك، وإلا احتمل الظلم ما دون الشرك أن من لم يظلم ولم يذنب فهو في أمن من اللَّه، ومن ارتكب ذنبًا أو ظلمًا فله الخوف، وهو في مشيئة اللَّه: إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له وعفا عنه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ...(83) الآية: ينقض
قول من يقول بأن إبراهيم كان غير مؤمن في ذلك الوقت ولا عارفًا بربه؛ لأنه أخبر أنه آتاه حجته على قومه، ولو كان هو على ما قالوا لكانت الحجة التي آتاه عليه، فلما أخبر أنه آتاه حجته على قومه، دل أنه ليس على ما قالوا، ولكن كان عارفًا بربه مخلصًا له على ما سبق ذكره.
فإن قال قائل: إن الحجة التي أخبر أنه آتاها إبراهيم على قومه هي قوله: (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ...) إلى آخر ما ذكر.
فيقال: إن هذه ليست بمحاجة، إنما هو تقرير التوحيد والدِّين.
ألا ترى أنه قال: (وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا) الآية، والمحاجة ما ذكر في قوله: (لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) ، وقوله: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ، وغيرها من الآيات التي فيها وصف توحيد الربّ - عَزَّ وَجَلَّ - وألوهيته وفساد آلهتهم، من ذلك قوله: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ(95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) ، وقوله: (لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا) ، وقوله: (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ...) ، إلى قوله: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) .