وفيه دليل نقض قول المعتزلة؛ لأنه قال: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) والإيتاء هو الإعطاء، والنجوم والشمس، والقمر وما ذكر قد كانت؛ دل أن الذي آتى إبراهيم هو محاجته قومه بما ذكرنا واحتجاجه عليهم بذلك؛ دل أن له في محاجة إبراهيم قومه صنعًا حيث أضافها إلى نفسه، وهو أن خلق محاجته قومه، وباللَّه العصمة.
وقوله - تعالى -: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) : الذين كانوا يعبدون الأصنام والأوثان، وهو ما بين سفههم في عبادتهم الأصنام، حيث قال في غير آية وعلى نمرود حين قال: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ...) إلى آخر الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ) .
فيه - أيضًا - دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن اللَّه قد شاء لكل أحد أن يبلغ المبلغ الذي إذا بلغ ذلك يصلح للنبوة والرسالة، لكنهم شاءوا ألا يبلغوا ذلك المبلغ، يجعلون المشيئة في ذلك إلى أنفسهم دون اللَّه، واللَّه أخبر أنه يرفع درجات من يشاء وهم يقولون - لا يقدر أن يرفع، بل هم يملكون أن يرفعوا درجات أنفسهم؛ فدلت الآية على أن من نال درجة أو فضيلة إنما ينال بفضل اللَّه ومنه.
ثم قوله: (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ) : تحتمل الدرجات وجوهًا.
تحتمل: النبوة، وتحتمل: الدرجات في الآخرة أن يرفع لهم.
وتحتمل: الذكر والشرف في الدنيا لما يذكرون في الملأ من الخلق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) .
أي: حكيم في خلق الخلائق، خلق خلقًا يدل على وحدانيته، ويدل على أنه مدبر ليس بمبطل في خلقهم، ثم عليم بأعمالهم وعليم بمصالح الخلق وبما يصلح لهم، أوبما لا يصلح، والحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير.
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ) .
يحتمل ما ذكرنا من رفع الدرجات ما ذكر من هبة هَؤُلَاءِ.