(إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً)
أي لا أخاف ما تشركون به فِي وقت من الأوقات إلا وقت مشيئته تعالى إصابة مكروه لي من جهتها ، فإنه يقع لا محالة كما شاء ربى ، فإن شاء أن يسقط عليّ صنم يشجّنى ، أو كسف من شهب الكواكب يقتلنى ، فإن ذلك يقع بقدرة ربى ومشيئته لا بمشيئة الصنم أو الكواكب ولا بقدرته ولا بتأثيره فِي قدرته تعالى وإرادته ولا بجاهه عنده وشفاعته ، إذ لا تأثير لشيء من المخلوقات فِي مشيئة اللّه الجارية إلا بما يثبت فِي علمه الأزلى.
ثم أتى بما هو كالعلة لما قبله فقال:
(وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْ ءٍ عِلْماً) أي أحاط بكل شيء علما ، فلا يبعد أن يكون فِي علمه سبحانه إنزال المكروه بي من جهتها بسبب من الأسباب.
(أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ ؟) أي أ تعرضون بعد ما أوضحته لكم عن التأمل فِي أن آلهتكم ليس بيدها نفع ولا ضر ، فلا تتذكرون أيها الغافلون أنها غير قادرة على ضرّى ولا على إيصال النفع إليكم ، فالسلطة العليا له وحده ليس لغيره تأثير فيها ولا تدبير ، فإذا أعطى بعض المخلوقات شيئا من النفع أو الضر فلا يكون ذلك داعيا لرفعها عن رتبة المخلوقات ، وجعلها أربابا ومعبودات.
وكان يجب أن يفطن لذلك العقلاء ويتذكروه ، لأنه تذكير بما يدركه العقل بالبرهان ، ويهدى إليه الوجدان.
ومما يجب أن يتنبه له كثير من الذين ينتمون إلى ملة التوحيد أن هذا الضرب من الشرك الذي نعاه إبراهيم على قومه - لا يزال فاشيا بينهم فهم يعتقدون فِي بعض المخلوقات
من أحياء وأموات أن لهم تصرفا غيبيا ، فما يقع عقب زيارتهم لهم من زوال مكروه أو نفع يصل إلى محبوب إنما كان بدعائهم ، والواقع أن ذلك بتقدير السميع العليم ، وليس لغيره فِي ذلك تأثير لا جليّ ولا خفيّ.
وبعد أن أبان لهم أنه لا يخاف شركاءهم بل يخاف اللّه وحده ، تعجب من تخويفهم إياه ما لا يخيف ، وعدم خوفهم مما يجب أن يخاف منه قال: