إن في تصميم النظام البصري من التعقيد ما يحتاج شرحه من قبل مختصين مئات بل آلاف الكتب ولكن في هذا الشرح ما يكفي لإقناع القارئ بأن منتهى الجهل أن يصدق إنسان عاقل أن الصدفة بإمكانها أن تهتدي لطريقة تصنيع هذه الأجهزة المعقدة. فلكي تتمكن الصدفة من اختراع نظام البصر للكائنات عليها أن تعرف أولا أن هنالك مصدرا للضوء وهو الشمس يصل ضوؤها إلى الأرض التي تعيش عليها هذه الكائنات. وعليها أن تعرف ثانيا أن هذا الضوء عندما يسقط على الأشياء ينعكس عنها بدرجات متفاوتة وعليها أن تستفيد من هذه الضوء المنعكس لترسم صورة عن الأشياء في دماغ هذه الكائنات. ولكي تتمكن الصدفة من رسم صورة للأشياء عليها أن تعرف أن هذا لا يمكن أن يتم إلا بوجود جهاز عجيب وهو العدسة التي يسقط الضوء المنعكس عليها من جهة فتبني صورة للشيء على الجهة الأخرى. إن من عنده أدنى علم بنظام العدسات لا بد أن يتساءل عن الطريقة التي تمكنت بها الصدفة من كتابة برامج لتصنيع عدسات الأعين بالمقاسات الصحيحة لملايين الكائنات الحية والطريقة التي تمكنت بها من تحديد البعد بين العدسة والشبكية لتكون الصورة المتكونة عليها أوضح ما يمكن. وكذلك الطريقة التي تمكنت بها من تصنيع الخلايا الحساسة للطيف المرئي من ضوء الشمس والطريقة التي حددت بها أعداد هذه الخلايا على شبكيات هذه الكائنات. ومما يثير العجب أن الصدفة قد أدركت أن العدسة الثابتة الأبعاد لا تساعد الكائن على رؤية الأشياء القريبة والبعيدة بنفس الوضوح فاخترعت لذلك نظام تحكم بالغ الإتقان يستطيع أن يغير أبعاد العدسة بطريقة تلقائية حسب بعد المنظر عن العين. ولكي يدرك القارئ مدى صعوبة تغيير أبعاد العدسة في الأعين نذكره بأنه على الرغم من التفوق التقني الذي أحرزه البشر في هذا العصر إلا أنهم لا زالوا يستخدمون العدسات الثابتة في كميراتهم ويضطرون لتحريك العدسة لتوضيح الصور الملتقطة.