يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ مَحْذُوفٌ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَحْذِفْ إِلَّا وَفِي الْكَلَامِ مَا قَامَ مَقَامَ الْمَحْذُوفِ، لِأَنَّ {هُوَ} عَائِدُ الْبُخْلِ، وَ {خَيْرًا لَهُمْ} عَائِدُ الْأَسْمَاءِ، فَقَدْ دَلَّ هَذَانِ الْعَائِدَانِ عَلَى أَنَّ قَبْلَهُمَا اسْمَيْنِ، وَاكْتَفَى بِقَوْلِهِ: يَبْخَلُونَ، مِنَ الْبُخْلِ، قَالَ: وَهَذَا إِذَا قُرِئَ بِالتَّاءِ، فَالْبُخْلُ قَبْلَ الَّذِينَ، وَإِذَا قُرِئَ بِالْيَاءِ، فَالْبُخْلُ بَعْدَ الَّذِينَ، وَقَدِ اكْتَفَى بِالَّذِينَ يَبْخَلُونَ مِنَ الْبُخْلِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]
إِذَا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إِلَيْهِ ... وَخَالَفَ وَالسَّفِيهُ إِلَى خِلَافِ
كَأَنَّهُ قَالَ: جَرَى إِلَى السَّفَهِ، فَاكْتَفَى عَنِ السَّفَهِ بِالسَّفِيهِ، كَذَلِكَ اكْتَفَى بِالَّذِينَ يَبْخَلُونَ مِنَ الْبُخْلِ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) بِالتَّاءِ بِتَأْوِيلِ: وَلَا تَحْسَبَنَّ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ بُخْلَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا أَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، هُوَ خَيْرًا لَهُمْ، ثُمَّ تَرَكَ ذِكْرَ الْبُخْلِ، إِذْ كَانَ فِي قَوْلِهِ {هُوَ خَيْرًا لَهُمْ} ، دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ فِي الْكَلَامِ، إِذْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَهُ قَوْلُهُ: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} وَإِنَّمَا قُلْنَا: قِرَاءَةُ ذَلِكَ بِالتَّاءِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ قِرَاءَتِهِ بِالْيَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَحْسَبَةَ مِنْ
شَأْنِهَا طَلَبُ اسْمٍ وَخَبَرٍ، فَإِذَا قُرِئَ قَوْلُهُ: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} بِالْيَاءِ لَمْ يَكُنْ لِلْمَحَسَبَةِ اسْمٌ يَكُونُ قَوْلُهُ: {هُوَ خَيْرًا لَهُمْ} خَبَرًا عَنْهُ، وَإِذَا قُرِئَ ذَلِكَ بِالتَّاءِ كَانَ قَوْلُهُ: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} اسْمًا لَهُ، قَدْ أَدَّى عَنْ مَعْنَى الْبُخْلِ الَّذِي هُوَ اسْمُ الْمَحْسَبَةِ الْمَتْرُوكُ، وَكَانَ قَوْلُهُ: {هُوَ خَيْرًا لَهُمْ} خَبَرًا لَهَا، فَكَانَ جَارِيًا مَجْرَى الْمَعْرُوفِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ الْفَصِيحِ، فَلِذَلِكَ اخْتَرْنَا الْقِرَاءَةَ بِالتَّاءِ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَإِنْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ بِالْيَاءِ غَيْرَ خَطَأٍ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِالْأَفْصَحِ وَلَا الْأَشْهَرِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ.