ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنّهُ صَدَقَ رَسُولَهُ رُؤْيَاهُ فِي دُخُولهِمْ المسْجِدَ آمِنِينَ وَأَنَّهُ سَيَكُونُ وَلَا بُدّ؛ وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ آنَ وَقْتُ ذَلِكَ فِي هَذَا الْعَامِ، وَالله سُبْحَانَهُ عَلِمَ مِنْ مَصْلَحَةِ تَأْخِيرِهِ إلَى وَقْتِهِ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ، فَأَنْتُمْ أَحْبَبْتُمْ اسْتِعْجَالَ ذَلِكَ وَالرّبّ تَعَالَى يَعْلَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ التّأْخِيرِ وَحِكْمَتِهِ مَا لَمْ تَعْلَمُوهُ فَقَدّمَ بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا تَوْطِئَةً لَهُ وَتَمْهِيدًا. ثُمّ أَخْبَرَهُمْ بِأَنّهُ هُوَ الّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ، فَقَدْ تَكَفّلَ الله لِهَذَا الْأَمْرِ بِالتّمَامِ وَالْإِظْهَارِ عَلَى جَمِيعِ أَدْيَانِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَفِي هَذَا تَقْوِيَةٌ لِقُلُوبِهِمْ وَبِشَارَةٌ لَهُمْ وَتَثْبِيتٌ، وَأَنْ يَكُونُوا عَلَى ثِقَةٍ مِنْ هَذَا الْوَعْدِ الّذِي لَا بُدّ أَنْ يُنْجِزَهُ فَلَا تَظُنّوا أَنّ مَا وَقَعَ مِنْ الْإِغْمَاضِ وَالْقَهْرِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ نُصْرَةً لِعَدُوةِ، وَلَا تَخَلّيًا عَنْ رَسُولِهِ وَدِينِهِ، كَيْفَ وَقَدْ أَرْسَلَهُ بِدِينِهِ الْحَقّ وَوَعْدِهِ أَنْ يُظْهِرَهُ عَلَى كُلّ دِينٍ سِوَاهُ؟.
6 -شبهة: ادعاؤهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان شاعرًا.
نص الشبهة:
قال تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ} (يس: 69) (1) ، والحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع الآية: ما ورد عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ في بَعْضِ المشَاهِدِ وَقَدْ دَمِيَتْ إِصْبَعُهُ، فَقَالَ:"هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصبَعٌ دَمِيتِ، وَفِى سَبِيلِ الله مَا لَقِيتِ".
فظاهر الآية الكريمة يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يكن شاعرًا وما علمه، وظاهر الحديث يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنشد شعرًا وتغنى به، كيف يستقيم ذلك؟
الرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: تفسير الآية.