وقال بعض أهل المعاني: هذا في الحقيقة، نَهْيٌ عن ترك الإسلام؛ المعنى: لا تتركوا الإسلام فإن الموت لابد منه، فمتى صادفكم، [صادفكم] عليه، إلّا أنه وضع كلامًا موضع كلام؛ لِحُسْنِ الاستعارة؛ لأنه لَمَّا كان يمكنهم الثبات على الإسلام، حتى إذا أتاهم الموت، لاقاهم وهم على الإسلام، صار الموت على الإسلام، بمنزلة ما قد [دَخَلَ] في إمكانهم. وقد مضى الكلام في هذا عند قوله: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّين} [البقرة: 132] ، الآية.
103 -وقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ} . الآية. ذكرنا معنى (الاعتصام) . وأما (الحَبْل) ؛ فقال أبو عبيد: أصل الحَبْل في كلام العرب، ينصرف على وجوهٍ منها: (العَهْدُ) وهو الأمان، وذلك أن العرب كانت تخفيف بعضها بعضًا في الجاهلية، فكان الرجل إذا أراد سفرًا أخذ عهدًا مِن سيِّد القبيلة، فَيَأمَن به ما دام في تلك القبيلة، حتى ينتهي إلى الأخرى، فيأخذ مثلَ ذلك أيضًا، يريد به الأمان. وربما أعطاه حَبْلًا أو سَهْمًا.
و هذا المعنى ذَكَرَهُ الأعشى في قوله يذكر مَسِيرا له:
وإذا تُجَوِّزُها حِبَالُ قَبِيلةٍ ... أَخَذَتْ مِنَ الأخْرَى إليكَ حِبَالَها
قال أبو عبيد: فالاعتصام بحبل الله؛ هو: ترك الفرقة، واتباعُ القرآن؛ لأن المؤمن إذا اتبع القرآن، أَمِنَ العذابَ، كما أن الآخذ عهد سيِّد القبيلة يأمَنُ به.
قال ابن الأنباري: لمَّا ذَكَرَ اللهُ عز وجل الاعتصامَ، ذكر الحبلَ، إذ كان العهد في التمسك به والتوصل، يجري مجرى الحبل، فأقامه الله تعالى مقامه، وأجراه مُجراهُ، ولم تزل العربُ تُشَبِّهُ العهودَ بالحبالِ.
قال الشاعر:
ما زلتُ معتَصِمًا بِحَبْلٍ منكُمُ ... مَن حَلَّ ساحَتَكم بأسبابٍ نَجَا
أي: بعهد وذِمَّةٍ.
فَسُمَي عهدُ الله حبلًا؛ لأنه سبب النجاة، كالحبل الذي يُتمسك به للنجاة من [سبي] . ونحوها.