لَكِنَّكَ تَجِدُ فِي سُورَةِ يُونُسَ نَصًّا صَرِيحًا فِي أَنَّ اللهَ تَعَالَى شَاءَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً قَالَ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (10: 19) وَلَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَحْمِلَ (كَانَ) عَلَى مَعْنَاهَا مِنَ الْمُضِيِّ; لِأَنَّ الْحَصْرَ يُبْعِدُ ذَلِكَ بِالْمَرَّةِ ، فَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا وَلَا يَزَالُونَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَنَشَأَ عَنْ هَذِهِ الْوَحْدَةِ نَفْسِهَا اخْتِلَافُهُمْ ، وَكَانَ اللهُ سُبْحَانَهُ يَقْضِي فِي الْخِلَافِ بِإِهْلَاكِ مَنْ يَنْحَرِفُ مِنْهُمْ عَنْ سَبِيلِ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ فَلَا يَبْقَى مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَنِ اسْتَقَامَ عَلَيْهَا ، وَلَكِنْ سَبَقَتْ كَلِمَتُهُ وَثَبَتَ فِي عِلْمِهِ وَتَمَّ فِي مَشِيئَتِهِ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ فِي أَمْرِهِمْ كَاسِبِينَ لِسَعْيِهِمْ ، مُكَلَّفِينَ بِالنَّظَرِ فِيمَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنَ الْآيَاتِ ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْهُمُ الضَّالُّ وَالْمُهْتَدِي وَالْعَادِلُ وَالْمُعْتَدِي حَتَّى يُوَفِّيَ كُلًّا جَزَاءَهُ فِي الدَّارِ الْأُخْرَى; وَلِهَذَا بَعَثَ فِيهِمُ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِيَكُونُوا لَهُمْ أَئِمَّةً فِي الْإِيمَانِ وَأُسْوَةً فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ .