كرامة عباده وعظيم أفضاله عليهم.
ثم قال عزَّ من قائل(فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ
ذِكْرًا)على معنى قوله:(فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا
وَعَلَى جُنُوبِكُمْ)أي: أكثروا من ذكره على كل أحوالكم وفي كل
أحيانكم، غلب هذا التوجه لفظ الذكر والأمر به، ويتوجه أيضًا إلى معنى المحبة، دل
على صحيح هذا التوجه لتثبيته الذكر بذكرهم آبائهم كما قال القائل:
وَلَو أَننِي أَستَغفِرُ اللهَ كُلمَا ... ذَكَرتُكِ لَم تكتَب عَلَيَّ ذنوبُ
ومن ذلك أن يكون هذا الذكر على الإلحاح والعزة، دلَّ على هذا قوله جلَّ
قوله: (أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) يوافق هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"ليعزم المسألة، فإنه لا مكره له".
فيكون معنى هذا الخطاب هَاهُنَا: سلموا الله حوائجكم، واعزموا في مسائلكم
إياه كما تعزمون على آبائكم أو أْشد، فإنه أرحم من آبائكم وأعطف عليكم وأقدر
على قضائها، دل على تصحيح هذا الوجه قوله - عزَّ من قائل - يذم من قصرت
همته وقل علمه بربه، فيرضى منه بالأدنى في مسألته، وهو الواسع الكريم:(فَمِنَ
النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا... .).
(فصل)
من الذكر ما هو مؤقت، ومنه ما هو دائم، فالمؤقت منه: العبادات المؤقتة،
وذلك بالجوارح؛ كالقراءة في وقتها، والصلاة في أوقاتها، والصوم والزكاة والحج،
وسائر الفرائض المؤقتة من أعمال الجوارح، وكل نوع من العبادات والطاعات يعود
إلى الذكر بالحقيقة؛ إذ لا تصح طاعة ولا عبادة إلا بنية، والنية هي الذكر بالقلب،
وهو أن يعلم أنه جل ذكره افترض عليك هذه الطاعة وندب إليها، وأنه هو المقصود
فيها بالطاعة والعبادة، والتوجه بها إليه، وكل فعل يخلو من ذلك فهو باطل.
قال الله جلَّ ذكره: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ(4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5)
ونهى عن الصلاة حال السكر لأجل هذه العلة، ونهى رسول الله
-صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة حال النوم وحين مدافعة الأخبثين لأجل ذلك.