وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ حَبْسُ الْحَابِسِ الَّذِي لَيْسَ مَعَ حَبْسِهِ خَوْفٌ عَلَى النَّفْسِ مِنْ حَبْسِهِ دَاخِلًا فِي حُكْمِ الْآيَةِ بِظَاهِرِهَا الْمَتْلُوِّ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَلْحَقُ حُكْمُهُ عِنْدَنَا بِحُكْمِهِ مِنْ وَجْهِ الْقِيَاسِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ حَبْسَ مَنْ لَا خَوْفَ عَلَى النَّفْسِ مِنْ حَبْسِهِ كَالسُّلْطَانِ غَيْرِ الْمَخُوفَةِ عُقُوبَتُهُ، وَالْوَالِدِ، وَزَوْجِ الْمَرْأَةِ، إِنْ كَانَ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ بَعْضِهِمْ حَبْسٌ، وَمَنْعٌ عَنِ الشُّخُوصِ لِعَمَلِ الْحَجِّ، أَوِ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ بَعْدِ إِيجَابِ الْمَمْنُوعِ الْإِحْرَامَ، غَيْرَ دَاخِلٍ فِي ظَاهِرِ قَوْلِهِ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} لِمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنِّ مَعْنَاهُ: فَإِنْ أَحْصَرَكُمْ خَوْفُ عَدُوٍّ، بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} وَقَدْ بَيَّنَ الْخَبَرَ الَّذِي ذَكَرْنَا آنِفًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْحَصْرُ: حَصْرُ الْعَدُوِّ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ لِمَا وَصَفْنَا، وَكَانَ ذَلِكَ مَنْعًا مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ، فَكُلُّ مَانِعٍ عَرَضَ لِلْمُحْرِمِ فَصَدَّهُ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ، فَهُوَ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْحُكْمِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ شَاةٌ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} قَالَ: «عَلَيْهِ، يَعْنِي الْمُحْصَرَ هَدْي إِنْ كَانَ مُوسِرًا فَمَنِ الْإِبِلِ، وَإِلَّا فَمَنِ الْبَقَرِ، وَإِلَّا فَمَنِ الْغَنَمِ»
وَقَالَ آخَرُونَ: «مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» : مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، سِنٌّ دُونَ سَنٍّ.
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ شَاةٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا أَوْجَبَ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وَذَلِكَ عَلَى كُلِّ مَا تَيَسَّرَ لِلْمُهْدِي أَنْ يَهْدِيَهُ كَائِنًا مَا كَانَ ذَلِكَ الَّذِي يُهْدِي. إِلَّا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَصَّ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَيَكُونُ مَا خَصَّ مِنْ ذَلِكَ خَارِجًا مِنْ جُمْلَةِ مَا احْتَمَلَهُ ظَاهِرُ التَّنْزِيلِ، وَيَكُونُ سَائِرُ الْأَشْيَاءِ غَيْرَهُ مُجْزِئًا إِذَا أَهْدَاهُ الْمُهْدِيُ بَعْدِ أَنْ يَسْتَحِقَّ اسْمَ هَدْيٍ.