وعلى هذا النحو سمي الوسيلة المانحة فِي قول الشاعر:
وَلي مانحٌ لمْ يُورِدِ الماءَ قَبْله ...
معلَّ وأشطانُ الطَّوِيَّ كَثيرٌُ
والأكل عبارة عن الإنفاق، إذ هو أهم ما يصرف إليه المال، وأكل المال بالباطل صرفه إلى ما ينافيه الحق، وهو التبذير والإسراف قليلاً كان الإنفاق أو كثيراً، ولهذا قيل:
(رب إنفاق قليل هو إسراف، وكثير هو اقتصاد) ...
، وقوله: (وتدلوا) أي لا تدلوا، وكما نهي عن تبذير الأموال نهى أن يدلي بها إلى الحكام على سبيل الرشوة، وتوصلاً إلى اقتطاع أموال الناس، وقيل: معناه: لا يأكل بعضكم مال بعض غصباً أو خيانة فيلجؤوهم إلى المرافعة إلى الحكام، فلا يحكم عليكم لعدم البينة فتستبينوا إلى أن تأكلوا فريقاً ن أموال الناس بالإثم، وقيل: من يتولى أموال
الأيتام، فيأكل بعضا ويدفع إلى الحكام بعضا، والوجه الأول أجود، لأنه قال: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ} ثم قال: لتأكلوا ففصل بين الأمرين، والوجهان الآخران داخلون فِي عمومه وقوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي إن أخفى علمكم على الناس، فإنه لا يخفى عليكم تنبيها أن الاعتبار بما عليه الأمر فِي نفسه وما علمتم منه لا بما يظهر، ونبه - عليه السلام - على ذلك بقوله:
(إنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن حكمت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذن منه قليلاً ولا كثيراً، فإنما أقطع له قطعة من النار) وقال: (البر ما اطمأنت إليه النفس) . انتهى انتهى. {تفسير الراغب الأصفهاني حـ 1 صـ 385 - 401} .