الرفوث ، وهو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه ، كلفظ النيك ، وقد أرفث الرجل. وعن ابن عباس رضى اللَّه عنه أنه أنشد وهو محرم:
وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا إنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا «1»
فقيل له: أرفثت؟ فقال: إنما الرفث ما كان عند النساء «2» . وقال اللَّه تعالى: فلا رفث ولا فسوق ، فكنى به عن الجماع ، لأنه لا يكاد يخلو من شيء من ذلك. فإن قلت: لم كنى عنه هاهنا بلفظ الرفث الدال على معنى القبح بخلاف قوله: (وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ) ، (فَلَمَّا تَغَشَّاها) ، (بَاشِرُوهُنَّ) ، (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ) ، (دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) ، (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ) ، (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) ، (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) ، (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ) ؟ قلت: استهجانا لما وجد منهم قبل الإباحة ، كما سماه اختيانا لأنفسهم. فإن قلت: لم عدى الرفث بإلى؟ قلت: لتضمينه معنى الإفضاء. لما كان الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل واحد منهما على صاحبه فِي عناقه ، شبه باللباس المشتمل عليه. قال الجعدي:
إذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى عِطْفَهَا تَثَنَّتْ فَكَانَتْ عَليْهِ لِبَاسَا «3»
فإن قلت: ما موقع قوله: (هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ) ؟ قلت: هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال ، وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهنّ مثل هذه المخالطة والملابسة قلّ صبركم عنهنّ وصعب عليكم اجتنابهنّ ، فلذلك رخص لكم فِي مباشرتهنّ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ تظلمونها وتنقصونها حظها من الخير. والاختيان من الخيانة ، كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة فَتابَ عَلَيْكُمْ حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ واطلبوا ما قسم اللَّه لكم وأثبت فِي اللوح من الولد بالمباشرة ، أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن لابتغاء ما وضع اللَّه له النكاح من التناسل.
(1) . أنشده ابن عباس فِي الحج ، فقال له أبو العالية: أترفث وأنت محرم؟ فقال إنما الرفث ما كان عند النساء.
وقال بعضهم: قال حصين بن قيس: أخذ ابن عباس بذنب بعيره يلويه وهو يحدو ويقول: وهن ... البيت.
فقلت له: أترفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث ما قيل عند النساء. وهن ، أي النوق «يمشين بنا» أي معنا.
والهميس: نوع من السير لا صوت له ، نصب بيمشين. وإن تصدق الطير ، أي التي تفاء لنا بها حيث طارت جهة اليمين ، وشبه الطير بمخبر على طريق المكنية والصدق تخييل. وروى: إن يصدق الظن ، والفعل بعده جواب الشرط ولفظ «النيك» هو الحقيقة فِي إدخال الذكر فِي الفرج ، وما عداه - كالوطء والجماع والملامسة - مجاز فِي الأصل أو كناية ، ولذلك قبح النطق بها دون غيرها. ولميس: اسم امرأة ، ولعل ابن عباس ضربه مثلا للظفر بما كان يقصده
(2) . أخرجه الحاكم فِي المستدرك من طريق زياد بن الحسين عن أبى العالية «أ ترفث وأنت محرم؟ فقال:
إنما الرفث ما روجع به النساء» وأخرجه ابن أبى شيبة والطبري من هذا الوجه. والهميس: بفتح الهاء وآخره مهملة: ضرب من السير ، لا يسمع له وقع. ذكره ثابت السرقسطي.
(3) . للنابغة الجعدي. و «ما» زائدة. والضجيع: المضاجع. والعطف - بالكسر -: الجانب. تثنت:
بالغث فِي مطلوبه من التعانق فكانت مشتملة عليه كاللباس ، فهو تشبيه بليغ. ويروى: ثنى جيدها ، أي عنقها