وبهذا الطريق صححنا القول بالتكاليف مع الاعتراف بإحاطة علم الله وجريان قضائه وقدره فِي الكل . وما روي عن جابر أنه جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله بيّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن ففيم العمل اليوم ، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما يستقبل؟ قال: بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير . قال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له . وكل عامل بعمله منبه على ما قلنا ، فإنه صلى الله عليه وسلم علقهم بين الأمرين ، رهبهم بسابق القدر ثم رغبهم فِي العمل ولم يترك أحد الأمرين للآخر فقال: كل ميسر لما خلق له . يريد أنه ميسر فِي أيام حياته للعمل الذي سبق به القدر قبل وجوده إلا أنك تحب أن تعرف الفرق بين الميسر والمسخر كيلا تغرق فِي لجة القضاء والقدر ، وكذا القول فِي باب الرزق والكسب . والحاصل أن الأسباب والوسائط والروابط معتبرة فِي جميع أمور هذا العالم . ومن جملة الوسائل فِي قضاء الأوطار الدعاء والالتماس كما فِي الشاهد . فلعل الله تعالى قد جعل دعاء العبد سبباً لبعض مناجحه . فإذا كان كذلك فلا بد أن يدعو حتى يصل إلى مطلوبه ، ولم يكن شيء من ذلك خارجاً عن قانون القضاء السابق وناسخاً للكتاب المسطور . ومن فوائد الدعاء إظهار شعار الذل والانكسار ، والإقرار بسمة العجز والافتقار ، وتصحيح نسبة العبودية ، والانغماس فِي غمرات النقصان الإمكاني ، والإفلاس عن ذروة الترفع ، والاستغناء إلى حضيض الاستكانة ، والحاجة والفاقة ، ولهذا ورد"من لم يسأل الله يغضب عليه"فإذا كان الداعي عارفاً بالله تعالى وعالماً بأنه لا يفعل إلا ما وافق مشيئته وسبق به قضاؤه وقدره ، ودعا على النمط المذكور من غير أن يكون فِي دعائه حظ من حظوظ النفس الأمارة ، راجياً فيما عند الله من الخير ، خائفاً من الإقدام على موقف المسألة والمناجاة ، وأن تكون استجابته صورة الاستدراج ، كان دعاؤه خليقاً بالإجابة وجديراً بالقبول