وقال قتادة: يعني الرخصةَ التي كتبتُ لكم، وقال معاذ بن جبل وابن عباس في رواية أبي الجوزاء: يعني: ليلةَ القدر، وكل هذا مما تحتمله الآية.
وقال أبو إسحاق: الصحيح عندي أن ما كتب الله لنا هو القرآن، أي: اتبعوا القرآن فيما أبيح لكم فيه وأمرتم به.
وقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} أمر إباحة حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود روي في تفسير هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعدي بن حاتم:"إنما ذاك بياض النهار من سواد الليل".
وبهذا قال عامة أهل التفسير، والعرب قد تكلمت بهذا اللفظ في
الليل والنهار، قال أمية الثقفي:
الخيط الأبيض لون الصبح منفلق ... والخيط الأسود لون الليل مركوم
وقال أبو دواد:
فَلمّا أَضَاءت لنا غُدْوَة ... ولاحَ من الصُّبْح خَيْطٌ أَنَارا
واختلفوا لم سميا خيطين؟ فقال الأكثرون: إنما يسمى خيطين عند اختلاط الضوء بالظلام والتفاف أحدهما بالآخر؛ شبها بخيطين بريمين، ومن هذا يقال: خَيّطَ الشيبُ رأسَه، إذا اختلط السواد بالبياض،
ذكره أبو عبيد عن الأصمعي، وأنشد:
حتى تُخَيَّطَ بالبياض قروني
البيت لبدر الهذلي، وأوله:
آليت لا أنسى منيحة واحدٍ
يعني بالمنحة: هجاء مهاجيه.
وقرأت على أبي الحسين الفسوي: أخبركم حمد بن محمد، قال: أنشدنا الحسن بن خلّاد، قال: أنشدني دريد، قال: أنشدنا ابن أخي الأصمعي، عن عَمِّه، لرجل يصف ليلًا:
كأن بقايا الليل في أخرياته ... مُلاءٌ يبقى من طيالسة خضرِ
تخال بقاياه التي أسأر الدجى ... تمدُّ وشِيعًا فوق أرديةِ الفجرِ
فشبهها بالوشيع، وهو فتائل الغزل؛ لما يتراءى في خلاله من خيوط سوادٍ وبياضٍ.
وقال الزجاج: هما فجران، أحدهما: يبدو أسود معترضًا، وهو الخيط الأسود، والأبيض: الذي يطلع ساطعًا يملأ الأفق، فعندهما
الخيطان: هما الفجران، سميّا لامتدادهما، تشبيهًا بالخيطين.