قوله تعالى {فمن عفي له من أخيه شيء } المعنى فمن عفي له من جهة أخيه شيء من العفو كقولك"سير بزيد بعض السير وطائفة من السير"ولا يصح أن يكون شيء فِي معنى المفعول به لأن عفا لا يتعدى إلى مفعول به إلا بواسطة . فإن قيل: إن"عفا"يتعدى بعن لا باللام فما وجه قوله {فمن عفى له} فالجواب أنه يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب فيقال: عفوت عن فلان وعن ذنبه . قال تعالى {عفا الله عنك} [التوبة: 23] فإذا تعدى إلى الذنب وإلى الجاني معاً قيل"عفوت لفلان عما جنى"كما تقول"غفرت له ذنبه"وتجاوزت له عنه . فمعنى الآية فمن عفى له عن جنابته . فاستغنى عن ذكر الجناية . فإنما قيل شيء من العفو ليعلم أنه إذا عفي له طرف من العفو وبعض منه بأن يعفى عن بعض الدم أو عفا عنه بعض الورثة تم العفو وسقط القصاص ولم يجب إلا الدية . وأخوه هو ولي المقتول وإنما قيل له أخوه لأنه لابسه من قبل أنه ولي الدم ومطالبه به كما تقول للرجل"قل لصاحبك كذا"إذا كان بينهما أدنى تعلق . أو ذكره بلفظ الأخوة ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية والإسلام . وقد يستدل بهذا على أن الفاسق مؤمن لأنه تعالى أثبت الأخوة بين القاتل وبين ولي الدم ، ولا شك أن هذه الأخوة بسبب الدين {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات: 10] مع أن قتل العمد العدوان بالإجماع من الكبائر . وأيضاً إنه تعالى ندب إلى العفو عن القاتل ، والعفو إنما يليق عن المؤمن . ويحتمل أن يجاب بأن القاتل قبل إقدامه على القتل كان مؤمناً فلعله تعالى سماه مؤمناً بهذا التأويل ، وبأن القاتل قد يتوب وعند ذلك يكون مؤمناً . ثم إنه تعالى أدخل غير التائب فيه على سبيل التغليب . وأيضاً لعل الآية نازلة قبل أن يقتل أحد أحداً . ولا شك أن المؤمنين أخوة قبل الإقدام على القتل . وأيضاً الظاهر أن الفاسق يتوب ، وعلى هذا التقدير يكون ولي المقتول أخاً له . وأيضاً يجوز أن يكون