قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ الْمُتَضَمِّنِ لِلْحِكْمَةِ وَالْبُرْهَانِ: (يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) فَخَصَّ بِالنِّدَاءِ أَصْحَابَ الْعُقُولِ الْكَامِلَةِ ، مَعَ أَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ ذَا اللُّبِّ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُ قِيمَةَ الْحَيَاةِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا ، وَيَعْرِفُ مَا تَقُومُ بِهِ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ وَمَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَيْهَا ، وَهُوَ مَرْتَبَتَانِ: الْقِصَاصُ وَهُوَ الْعَدْلُ ، وَالْعَفْوُ وَهُوَ الْفَضْلُ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ ذَا اللُّبِّ هُوَ الَّذِي يَفْقَهُ سِرَّ هَذَا الْحُكْمِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ ، فَعَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَسْتَعْمِلَ عَقْلَهُ فِي فَهْمِ دَقَائِقِ الْأَحْكَامِ ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْمَنْفَعَةِ لِلْأَنَامِ ، وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ مَنْ يُنْكِرُ مَنْفَعَةَ الْقِصَاصِ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ ، فَهُوَ بِلَا لُبٍّ وَلَا جَنَانٍ . وَلَا رَحْمَةٍ وَلَا حَنَانٍ . وَقَوْلُهُ: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) جَعَلَهُ (الْجَلَالُ) تَعْلِيلًا لِشَرْعِ الْقِصَاصِ وَقَدَّرَ لَهُ (شَرَعَ) أَيْ: لَمَّا كَانَ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ لَكُمْ كَتَبْنَاهُ عَلَيْكُمْ وَشَرَعْنَاهُ لَكُمْ ، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الِاعْتِدَاءَ ، وَتَكُفُّونَ عَنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ .
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ هَذَا لَا بَأْسَ بِهِ وَالشَّرْعِيَّةُ مَفْهُومَةٌ مِنَ الْآيَةِ ، وَإِيجَازُ الْقُرْآنِ يَقْتَضِي عَدَمَ التَّصْرِيحِ بِهَا لِأَجْلِ التَّعْلِيلِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا (كُتِبَ عَلَيْكُمْ) وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَغْنَى عَنْ تَقْدِيرِ (شَرَعَ) وَيَتَعَلَّقُ الرَّجَاءُ بِالظَّرْفِ فِي قَوْلِهِ: