ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
(من الآية 34 سورة فصلت)
ولو لم يشرع الله القصاص لأصبحت المسألة فوضى. لكنه يشرعه ، ثم يتلطف ليجعل أمر إنهاء القصاص فضلا من ولي الدم ويحببه لنا ويقول:"فمن عفي له من أخيه بشيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان". وهل من المعقول أن تكون الدية إحساناً ؟ لتتذكر أن القائل هنا هو الله ، وكلامه قرآن ، والدقة فِي القرآن بلا حدود. إن الحق ينبه إلى أن أولياء الدم إذا ما قبلوا الدية ؛ فمعنى ذلك أن أهل القتيل قد أسقطوا القصاص عن القاتل ؛ وأنهم وهبوه حق الحياة ، لذلك فإن هذا الأمر يجب أن يرد بتحية أو مكرمة احسن منه. كان الحق لا يريد من أولياء الدم أن يرهقوا القاتل أو أهله فِي الاقتضاء ، كما يريد أن يؤدي القاتل أو أهله الدية بأسلوب يرتفع إلى مرتبة العفو الذي ناله القاتل.
وفي ذلك الأمر تخفيف عما جاء بالتوراة ؛ ففي التوراة لم تكن هناك دية يفتدى القاتل بها نفسه ، بل كان القصاص فِي التوراة بأسلوب واحد هو قتل إنسان مقابل إنسان آخر. وفي الإنجيل لا دية ولا قتل: لأن هناك مبدأ أراد أن يتسامى به أتباع عيسى عليه السلام على اليهود الذين انغمسوا فِي المادية. لقد جاء عيسى عليه السلام رسولاً إلى بني إسرائيل لعله يستل من قلوبهم المادية ، فجاء بمبدأ:"من صفعك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر". ولكن الإسلام قد جاء ديناً عاماً جامعاً شاملاً ، فيثير فِي النفس التسامي ، ويضع الحقوق فِي نصابها ، فأبقى القصاص ، وترك للفضل مجالاً. لذلك يقول الحق عن الدية:"ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ، فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم". وما وجه الاعتداء بعد تقرير الدية والعفو ؟