ففي الزمن الجاهلي كانت إذا نشأت معركة بين قبيلتين ، فمن الطبيعي أن يوجد قتلى وضحايا لهذا الاقتتال ، فإذا قتل عبد من قبيلة أصرت القبيلة التي تملك هذا العبد أن تصعد الثأر فتأخذ به حراً ، وكذلك إذا قتلت فِي تلك الحرب أنثى ، فإن قبيلتها تصعد الثأر فتأخذ بها ذكراً. والحق سبحانه وتعالى أراد أن يحسم قضية الثأر حسماً تدريجيا ، لذلك جاء بهذا الأمر"الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى". إذن فالحق هنا يواجه قضية تصعيدية فِي الأخذ بالثأر ، ويضع منهجاً يحسم هذه المغالاة فِي الثأر. وفي صعيد مصر ، مازلنا نعاني من الغفلة فِي تطبيق شريعة الله ، فحين يقتل رجل من قوم فهم لا يثأرون من القاتل ، وإنما يذهبون إلى أكبر رأس فِي عائلة القاتل ليقتلوه. فالذين يأخذون الثأر يريدون النكاية الأشد ، وقد يجعلون فداء المقتول عشرة من العائلة الأخرى ، وقد يمثلون بجثثهم ليتشفوا ، وكل ذلك غير ملائم للقصاص.
وفي أيام الجاهلية كانوا يغالون فِي الثأر ، والحق سبحانه وتعالى يبلغ البشرية جمعاء بأن هذه المغالاة فِي الثأر تجعل نيران العداوة لا تخمد أبدا. لذلك فالحق يريد أمر الثأر إلى حده الأدنى ، فإذا قتلت قبيلة عبداً فلا يصح أن تصعد القبيلة الأخرى الأمر فتأخذ بالعبد حراً. إذن فالحق يشرع أمراً يخص تلك الحروب الجماعية القديمة ، وما كان يحدث فيها من قتل جماعي ، وما ينتج عنها بعد ذلك من مغالاة فِي الثأر ، وهذا هو التشريع التدريجي ، وقضى سبحانه أن يرد أمر الثأر إلى الحد الأدنى منه ، فإذا قتلت قبيلة عبدا فلا يصح أن تصعد القبيلة الأخرى الثأر بأن تقتل حراً. والحق يشرع بعد ذلك أن القاتل فِي الأحوال العادية يتم القصاص منه بالقتل له أو بالدية. فقد جاءت آية أخرى يقول فيها الحق: