وَأَيْضًا فَيَنْبَغِي إذَا طَلَبَ الْوَلِيُّ دَارِهِ أَوْ عَبْدَهُ أَوْ دِيَاتٍ كَثِيرَةً أَنْ يُعْطِيَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخْتَلَفُ فِيمَا يَلْزَمُهُ إحْيَاءُ نَفْسِهِ حُكْمُ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
فَلَمَّا لَمْ يَلْزَمْهُ إعْطَاءُ أَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ كَانَ بِذَلِكَ انْتِقَاضُ هَذَا الِاعْتِلَالِ وَفَسَادُهُ.
وَاحْتَجَّ الْمُزَنِيّ لِلشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّهُ لَوْ صَالَحَ مِنْ حَدِّ الْقَذْفِ عَلَى مَالٍ أَوْ مِنْ كَفَالَةٍ بِنَفْسٍ لَبَطَلَ الْحَدُّ وَالْكَفَالَةُ ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا ، وَلَوْ صَالَحَ مِنْ دَمٍ عَمْدٍ عَلَى مَالٍ بِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ قُبِلَ ذَلِكَ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ دَمَ الْعَمْدِ مَالٌ فِي الْأَصْلِ لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا صَحَّ الصُّلْحُ كَمَا لَمْ يَصِحَّ عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ وَالْكَفَالَةِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ انْتَظَمَ هَذَا الِاحْتِجَاجَ الْخَطَأُ وَالْمُنَاقَضَةُ ، فَأَمَّا الْخَطَأُ فَهُوَ أَنَّ
مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الْحَدَّ لَا يَبْطُلُ بِالصُّلْحِ وَيَبْطُلُ الْمَالُ ، وَالْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ فِيهَا رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَا تَبْطُلُ أَيْضًا ، وَالْأُخْرَى: أَنَّهَا تَبْطُلُ ، وَأَمَّا الْمُنَاقَضَةُ فَهِيَ اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْمَالِ عَلَى الطَّلَاقِ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْأَصْلِ لَيْسَ بِمَالٍ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يُلْزِمَهَا مَالًا عَنْ طَلَاقٍ بِغَيْرِ رِضَاهَا.