وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ دَلَائِلِ الْآيِ الَّتِي ذَكَرْنَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْقَوَدِ عَلَى أَحَدِهِمَا عَمْدًا ، وَيَجِبُ الْمَالُ عَلَى الْآخَرِ لِحُصُولِ حُكْمِ الْخَطَإِ لِلنَّفْسِ الْمُتْلَفَةِ ، وَلَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ خَطَأً وَعَمْدًا مُوجِبًا لِلْمَالِ وَالْقَوَدِ فِي حَالِ وَاحِدَةٍ ، وَهِيَ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ لَا تَتَبَعَّضُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا مُتْلَفًا ، وَبَعْضُهَا حَيًّا ؟ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ حَيًّا مَيِّتًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ.
فَلَمَّا امْتَنَعَ ذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ
مِنْ الْقَاتِلَيْنِ فِي حُكْمِ الْمُتْلِفِ لِجَمِيعِهَا ، فَوَجَبَ بِذَلِكَ قِسْطُهَا مِنْ الدِّيَةِ عَلَى مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ ، فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ مَحْكُومًا لِلْجَمِيعِ بِحُكْمِ الْخَطَإِ.
فَلَا جَائِزٌ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُحْكَمَ بِهَا بِحُكْمِ الْعَمْدِ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِيهِمَا جَمِيعُ الدِّيَةِ.
وَيُشْبِهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا الْوَاطِئَ لِجَارِيَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ لَمْ يَتَبَعَّضْ فِي نَصِيبِهِ دُونَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ ، فَلَمَّا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي نَصِيبِهِ مَنَعَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوبِهِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ لِعَدَمِ التَّبْعِيضِ فِيهِ.
وَعَلَى هَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِي رَجُلَيْنِ سَرَقَا مِنْ ابْنِ أَحَدِهِمَا: إنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمُشَارَكَتِهِ فِي انْتِهَاكِ الْحِرْزِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْقَطْعَ.