لما ذكره بل يقول إن الآية. مسكوت عنه، ووجوب القصاص في قتل الحر بالعبد معلوم
من قَوْلُه تَعَالَى (النفس بالنفس) كما أوضحناه آنفًا بلا دعوى نسخه به
وإن سلم دلالته عَلَى ذلك فليس له دعوى نسخه فلا سبيل له في إثبات مدعاه بهذا
الطريق. (لأنه حكاية ما في التَّوْرَاة) قال تَعَالَى:(وَكَتَبْنَا عَلَيْهمْ فيهَا أَنَّ النَّفْسَ بالنَّفْس
وَالْعَيْنَ بالْعَيْن)الآية.
قوله: (فلا ينسخ ما في الْقُرْآن) لأن حجية حكاية شرع من قبلنا مشروطة بأن لا يظهر
ناسخه، كما أشاروا إليه بقولهم إذا قصت من غير نكير ففهم فيه بطَريق الإشَارَة أنه إذا قصت
مع إنكار لا يكون حجة لنا، وهذا يتوقف عَلَى أن لا يوجد في الْقُرْآن ما يخالف المحكى؛ إذ
لو وجد ذلك لكان ما في الْقُرْآن ناسخًا للمحكى لتأخّر الْقُرْآن عن المحكي نزولًا فيكون
الحكاية حكاية المنسوخ ولا يكون حجة فضلًا عن أن يكون ناسخًا بل الأمر بالعكس فإذا
كان دلالة هذه الآية عَلَى أن لا يقتل الحر بالعبد يكون ناسخًا لقوله: (النفس بالنفس)
باعْتبَار شموله أن الحر يقتل بالعبد.
قوله: (واحتجت الحنيفة به عَلَى أن مقتضى العمد القود وحده، وهو ضعيف؛ إذ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: واحتجت الْحَنَفيَّة به عَلَى أن مقتضى [العمد] القود. وجه احتجاجهم به أن المُسْتَفَاد من
الآية وجوب القصاص فقط لا التخيير بين القصاص والدية. قال الإمام: ذهب أبو حنيفة رحمه الله
إلى أن موجب العمد هُوَ القصاص، وذهب الشَّافعي رحمه الله في أحد قوليه إلَى أن موجب العمد
إما القصاص وإما الدية، واحتج أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية. ووجه الاستدلال بها في غاية الضعف
لأنه سواء كان المخاطب بهذا الخطاب هُوَ الإمام أو ولي الدم، فهو بالاتفاق مشروط بما إذا كان
ولي الدم يريد القتل عَلَى التعيين وعندنا أنه متى كان الأمر كَذَلكَ كان القصاص متعينًا إنما النزاع
أن ولي الدم هل يتمكن من العدول إلَى الدية وليس في الآية دلالة عَلَى أنه إذا أراد الدية ليس له
إلا ذلك أي القصاص فقال الإمام أما قوله: (كتب عليكم القصاص) فمعناه فرض
عليكم وهذه اللفظة تقتضي الوجوب ثم قال:. فإن قيل قولكم هذه الآية تقتضي وجوب القصاص فيه
إشكالان: الأول أن القصاص لو وجب لوجب إما عَلَى القاتل أو عَلَى ولي الدم أو عَلَى ثالث
والْأَقْسَام الثلاثة باطلة إنما قلنا إنه لا يجب عَلَى القاتل؛ لأنه لا يجب عليه بل يحرم ذلك عليه، وإنما
قلنا إنه غير واجب عَلَى ولي الدم لأن ولي الدم مخير في الْفعْل والترك بل هُوَ مندوب إلَى الترك
بقوله: (وأن تعفوا أقرب للتقوى) والثالث أيضًا باطل لأنه يكون أجنبيًا عن ذلك
القتل والأجنبي عن الشيء لا تعلق له به. السؤال الثاني أنا بينا أن القصاص عبارة عن التسوية في
القتل الذي يكون مشروعًا، وعلى هذا التقدير يسقط دلالة الآية عَلَى كون القود مشروعًا بسبب القتل
والْجَوَاب عن السؤال الأول من وَجْهَيْن: الأول أن الْمُرَاد إيجاب إقامة القصاص عَلَى الإمام أو من
يجري مجراه؛ لأنه متى حصلت شرائط وجوب القود فإنه لا يحل لل'مام أن يترك القود لأنه من
جملة الْمُؤْمنينَ والتقدير يَا أَيُّهَا الأمة كتب عليكم استيفاء القصاص إن أراد ولي الدم التيفاءه
والثاني أنه خطاب مع القاتل والتقدير يَا أَيُّهَا [القاتلون] كتب عليكم تسليم النفس عند مطالبة الولي
بالقصاص وذلك لأن [القاتل] ليس له أن يمتنع هَاهُنَا وليس له أن ينكر بل للزاني والسارق الهرب من