قوله: {ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ} خبر لمحذوف قدره بقوله: (وهم) واختلف في المراد بالأولين والآخرين، فقيل: أوائل هذه الأمة كالصحابة والتابعين وتابعي التابعين، وأواخرهم من يأتي بعدهم إلى يوم القيامة، وقيل: المراد بالأولين الأمم السابقة، وبالآخرين هذه الأمة، فالخلاف هنا نظير ما تقدم، وقال فيما سبق {وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ} [الواقعة: 14] وقال هنا {وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخِرِينَ} لأن ما تقدم في ذكر السابقين، وهم في الآخرة قليل، وهنا في أصحاب اليمين، وهم كثيرون في الأولين والآخرين.
{فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ}
قوله: (لا زائدة) أي للتأكيد لأن المقصود القسم، وهذا أحد أقوال فيها، وقيل: هي لام الابتداء؛ دخلت على مبتدإ محذوف تقديره أنا أقسم، حذف المبتدأ فاتصلت بخبره، وقيل: هي نافية ومنفيها محذوف تقديره فلا يصح قول المشركين فيك وفي قرآنك، وقوله: {أُقْسِمُ} الخ، جملة مستأنفة تسلية له صلى الله عليه وسلم.
قوله: (بمساقطها لغروبها) هذا قول قتادة، وقيل هو منازلها، وقيل المراد بمواقع النجوم، نزول القرآن نجوماً، فإن الله تعالى أنزله من اللوح المحفوظ، من السماء العليا إلى السفرة، الكتابين جملة واحدة، فنجمه السفرة على جبريل وهو على محمد في عشرين سنة.
قوله: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} هذه الجملة معترضة بين القسم وجوابه في أثنائها، جملة معترضة بين الصفة والموصوف وهي قوله: {لَّوْ تَعْلَمُونَ} وليس هذا من باب الاعتراض بأكثر من جملة، لأن الجملتين في حكم جملة واحدة.
قوله: (أي لو كنتم) الخ، أشار بذلك إلى جواب {لَّوْ} محذوف، إلى أن الفعل منزل منزلة اللام.
قوله: (لعلمتم عظم هذا القسم) أي لما فيه من الدلالة على عظيم المقدرة وكمال الحكمة، ولأن آخر الليل الذي هو وقت تساقط النجوم محل الرحمات والعطايا الربانية، قال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق: 40] .
{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ}
قوله: {لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} أي كثير النفع، وصف بالكرم لاشتماله على خير الدين والدنيا والآخرة، ففيه مزيد البيان والنور والاهتداء، فكل عالم يطلب أصل علمه منه من معقول ومنقول.
قوله: (مصون) أي من التغيير والتبديل، فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قال تعالى: