«فَإِنْ قِيلَ» : ما الحكمة في تخصيص الفاكهة بالتخيير، واللحم بالاشتهاء؟
أجيب: بأنَّ اللحم والفاكهة إذا حضرا عند الجائع تميل نفسه إلى اللحم، وإذا حضرا عند الشبعان تميل نفسه إلى الفاكهة، فالجائع مشته، والشبعان غير مشته بل هو مختار، وأهل الجنة إنما يأكلون لا من جوع بل للتفكه فميلهم للفاكهة أكثر فيتخيرونها، ولهذا ذكرت في مواضع كثيرة في القرآن بخلاف اللحم، وإذا اشتهاه حضر بين يديه على ما يشتهيه فتميل نفسه إليه أدنى ميل، ولهذا قدم الفاكهة على اللحم.
«فَإِنْ قِيلَ» : الفاكهة واللحم لا يطوف بهما الولدان، والعطف يقتضي ذلك؟
أجيب: بأنَّ الفاكهة واللحم في الدنيا يطلبان في حال الشرب فجاز أن يطوف بهما الولدان فيناولونهم الفواكه الغريبة واللحوم العجيبة لا للأكل بل للإكرام كما يضع المكرم للضيف أنواع الفواكه بيده، أو يكون معطوفاً على المعنى في قوله: {جَنَّاتِ النَّعِيمِ} أي: مقرّبون في جنات النعيم وفاكهة ولحم، أي:
في هذا النعيم يتقلبون.
ولما لم يكن بعد الأكل والشراب أشهى من النساء قال تعالى: {وَحُورٌ} أي: نساء شديدات سواد العيون وبياضها {مِنَ} أي: ضخام العيون وقرأ حمزة والكسائي بخفض الاسمين عطفاً على سرر، فإنّ النساء في معنى المتكأ لأنهن يسمين فراشاً، والباقون بالرفع عطفاً على ولدان {كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} أي: المخزون في الصدف المصون الذي لم تمسه الأيدي ولم تقع عليه الشمس والهواء، فيكون في نهاية الصفاء؛ قال البغوي: ويروى أنه يسطع نور في الجنة فيقولون: ما هذا؟
فيقال: ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها، ويروى أنَّ الحوراء إذا مشت يسمع تقديس الخلاخل من ساقها، وتمجيد الأسورة من ساعديها، وأنّ عقد الياقوت يضحك في نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكهما من لؤلؤ يصران بالتسبيح.
{لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً}