فمتى نصبت {كُلَّ شَيْءٍ} كان {خَلَقْنَاهُ} تفسيرًا لناصبه المذكور المقدر، ولا يكون صفة لـ {شَيْءٍ} ، لأن الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف، و {بِقَدَرٍ} من صلة {خَلَقْنَاهُ} ، ومتى رفع جاز أن يكون {خَلَقْنَاهُ} في موضع جر على النعت لـ {شَيْءٍ} ، ويكون الخبر {بِقَدَرٍ} من صلة محذوف وهو كائن أو مستقر، وأن يكون {خَلَقْنَاهُ} هو الخبر، أي: إنا كلُّ شيء مخلوق لنا بقدر، و {بِقَدَرٍ} إما خبر بعد خبر، أو حال، أي: مقدرًا.
وقيل: {كُلَّ شَيْءٍ} منصوب بمضمر هو جعلنا. و {خَلَقْنَاهُ} صفة لـ {شَيْءٍ} ، والتقدير: إنا جعلنا كل شيء مخلوق بقدر.
وقيل: {كُلَّ شَيْءٍ} نصب بأنه بدل من اسم {إِنَّ} بدل الاشتمال، والتقدير: إن كل شيء خلقناه بقدر، والوجه هو الأول وعليه الجل، فاعرفه.
{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (51) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55) } :
قوله عز وجل: {فِي الزُّبُرِ} قيل؛ في كتب الحفظة. وقيل: في اللوح المحفوظ. والزبر: الكتب، واحدها زَبُور، وهو فعول بمعنى مفعول، أي مزبور بمعنى مكتوب.
وقوله: {وَنَهَرٍ} فيه وجهان، أحدهما: في أنهار، فاكتفى باسم الجنس عن الجمع. والثاني: هو السعة والضياء من النهار، لأن الجنة لا ليل فيها، وأصل الكلمة من السعة، انتهر: إذا اتسع، وأنهر الفتق: وَسَّعَهُ، ومن السعة أيضًا: النهر والنهار.
والجمهور على فتح النون والهاء في قوله: {وَنَهَرٍ} ، وهو واحد في معنى الجمع، وقد ذكر آنفًا، وقرئ: (وَنُهُرٍ) بضم النون والهاء، وهو جمع نَهَر، كأُسُدٍ في أَسدٍ، وَوُثُنٍ في وَثَنٍ، ويجوز أن يكون جمع نَهْرٍ، كرُهُنٍ وسُقُفٍ، في جمع رَهْنٍ وسَقْفٍ.
وقوله: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ} : يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون بدلًا من قوله: {فِي جَنَّاتٍ} ، أي: في مجلسِ حَقٍّ لا لغوَ فيه ولا تأثيمَ، كما يكون في أمكنة الدنيا، والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة القمر
والحمد لله وحده. انتهى انتهى {الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد، للمنتجب الهمذاني. 6/} ...