«فَإِنْ قِيلَ» : لو قال: فكذبوا رسولنا كان أدلَّ على قُبْحِ فعلهم فما الفائدة في اختيار لفظ العبد؟
فالجواب: أن قوله: عَبْدَنَا أدلّ في صدقه وقبح تكذيبهم من قوله: «رسولنا» ؛ لأن العبد أخوف وأقلّ تحريفاً لكلام السيِّد من الرسول فيكون كقوله: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين} .
{فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) }
في معنى مغلوب وجوه:
أحدها: غلبني الكفار فانْتَصْر لي منهم.
ثانيها: غَلَبَتْنِي نَفْسِي وَحَمَلَتْنِي على الدعاء عليهم، فانْتَصِرْ لي من نفسي. قاله ابن عطية. وهو ضعيف.
ثالثها: أن يقال: إِنَّ النبي لا يدعو على قومه ما دام في نفسه احْتِمَالٌ وحِلْمٌ، واحتمال نفسه يمتد ما دام الإيمان منهم محتملاً، ثم إنَّ يأسه يحصل والاحتمال والحلم يفر الناس مدة بدليل قوله لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} [الشعراء: 3] {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: 8] وقال لنُوحٍ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ -: {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ} [هود: 37] و [المؤمون: 27] فقال نوح: يا إِلهي إن نفسي غلبتني وقد أمَرْتَنِي بالدُّعاء عليهم فأهلكتهم فيكون معناه مغلوب بحكم البشرية أي غُلبت [[وعِيلَ] ] صَبْرِي فانْتَصِرْ لي منهم لا من نفسي.
قال ابن الخطيب: وهذا الوجه مُرَكَّبٌ من الوجهين. وهو أحسنهما.
وقوله: «فَانْتَصِرْ» أي فانتصر لِي أو لنفسك، فإِنهم كفروا بك، أو انتصر للحَقِّ.
ذكر هاهنا: {فكيف كان عذابي ونذر} مرتين، فالأول سؤال، كقول المعلم للمتعلم: كَيْفَ المَسْأَلَةُ الفُلاَنِيَّةُ؟
ثم بين فقال: «إِنَّا أَرْسَلْنَا» ، والثاني بمعنى التعظيم والتهويل.
{كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) }