{أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم} أي: ما أخفوه من تناجيهم بما يمكرون ، فلا نجازيهم عليه لخفائه علينا: {بَلَى} أي: نسمعهما ونطلّع عليهما: {وَرُسُلُنَا} يعني الحفظة: {لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} أي: ما تكلّموا به ولفظوا من قول ، ثم أشار إلى ردّ إفكهم في أن الملائكة بنات الله تعالى ، ختماً للسورة مما بدئت به ، المسمى عند البديعيين: رد العجز على الصدر . فقال سبحانه:
{قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} أي: لذلك الولد . والأولية بالنسبة إلى المخاطبين ، لا لمن تقدّمهم . قال الشهاب: ولو أبقى على إطلاقه ، على أن المراد إظهار الرغبة والمسارعة ، جاز . انتهى .
{سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} على نفي التالي . وهو عبادة الولد ؛ أي: أوحّده وأنزّهه تعالى عما يصفونه من كونه مماثلاً لشيء ، لكونه ربّاً خالقاً للأجسام كلها ، فلا يكون من جنسها ، فيفيد انتقاء الولد على الطريق البرهاني . وأما دلالته على الثاني ، فإذا جعل قوله: {سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ} الخ من كلام الله تعالى ، لا من كلام الرسول ؛ أي: نزّه رب السماوات عما يصفونه ، فيكون نفياً للمتقدم ويكون تعليق عبادة الرسول من باب التعليق بالمحال ، والمعلق بالشرط عند عدمه فحوى بدلالة المفهوم ، أبلغ عند علماء البيان من دلالة المنطوق . كما قال في استبعاد الرؤية: {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} [الأعراف: 143] . انتهى .