لما أنبأهم أن لله ملكَ السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة أعلمهم أن ما يعبدونه من دون الله لا يقدر على أن يشفع لهم في الدنيا إبطالاً لزعمهم أنهم شفعاؤهم عند الله.
ولما كان من جملة من عُبدوا دون الله الملائكة استثناهم بقوله: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} أي فهم يشفعون ، وهذا في معنى قوله: {وَقَالُوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عبادٌ مكرمون} [الأنبياء: 26] ثم قال: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} وقد مضى في سورة الأنبياء (28) .
ووصف الشفعاء بأنهم شَهِدوا بالحق وهم يعلمون أي وهم يعلمون حال من يستحق الشفاعة.
فقد علم أنهم لا يشفعون للذين خالف حالهم حال من يشهد لله بالحق.
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87)
بعد أن أمعن في إبطال أن يكون إله غير الله بما سِيق من التفصيلات ، جاء هنا بكلمة جامعة لإبطال زعمهم إلهية غير الله بقوله: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} أي سألتهم سؤال تقرير عمن خلقهم فإنه يُقرّون بأن الله خلقهم ، وهذا معلوم من حال المشركين كقول ضِمام بن ثعلبة للنبيء صلى الله عليه وسلم"أسألك بربّك وربّ من قبلك آلله أرسلك"ولأجل ذلك أُكِّد إنهم يقرون لله بأنه الخالق فقال: {ليقولن الله} ، وذلك كاففٍ في سفاهة رأيهم إذ كيف يكون إلها من لم يخلق ، قال تعالى: {أفمن يخلق كمَن لا يخلق أفلا تذكرون} [النحل: 17] .
والخطاب في قوله: {سألتهم} للنبيء صلى الله عليه وسلم ويجوز أن يكون لغير معيّن ، أي إن سألهم من يتأتى منه أن يسأل.
وفرع على هذا التقرير والإقرار الإنكارُ والتعجيبُ من انصرافهم من عبادة الله إلى عبادة آلهة أخرى بقوله: {فأنى يؤفكون} .
و (أنّى) اسم استفهام عن المكان فمحله نصب على الظرفية ، أي إلى أيِّ مكان يصرفون.