البحث الثالث: الضمير في قيله لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
البحث الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ضجر منهم وعرف إصرارهم أخبر عنهم أنهم قوم لا يؤمنون وهو قريب مما حكى الله عن نوح أنه قال: {رَّبِّ إِنَّهُمْ عصونيا واتبعوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً} [نوح: 21] .
ثم إنه تعالى قال له: {فاصفح عَنْهُمْ} فأمره بأن يصفح عنهم وفي ضمنه منعه من أن يدعو عليهم بالعذاب ، والصفح هو الإعراض.
ثم قال: {وَقُلْ سلام} قال سيبويه إنما معناه المتاركة ، ونظيره قول إبراهيم لأبيه {سلام عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي} [مريم: 47] وكقوله {سلام عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الجاهلين} [القصص: 55] .
قوله {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} والمقصود منه التهديد.
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
قرأ نافع وابن عامر تعلمون بالتاء على الخطاب ، والباقون بالياء كناية عن قوم لا يؤمنون.
المسألة الثانية:
احتج قوم بهذه الآية على أنه يجوز السلام على الكافر ، وأقول إن صح هذا الاستدلال فهذا يوجب الاقتصار على مجرد قوله سلام وأن يقال للمؤمن سلام عليكم.
والمقصود التنبيه على التحية التي تذكر للمسلم والكافر.
المسألة الثالثة:
قال ابن عباس قوله تعالى: {فاصفح عَنْهُمْ وَقُلْ سلام} منسوخ بآية السيف ، وعندي أن التزام النسخ في أمثال هذه المواضع مشكل ، لأن الأمر لا يفيد الفعل إلا مرة واحدة فإذا أتى به مرة واحدة فقد سقطت دلالة اللفظ ، فأي حاجة فيه إلى التزام النسخ ، وأيضاً فمثله يمين الفور مشهورة عند الفقهاء وهي دالة على أن اللفظ قد يتقيد بحسب قرينة العرف ، وإذا كان الأمر كذلك فلا حاجة فيه إلى التزام النسخ ، والله أعلم بالصواب.