وأراد ببعضهم ابنَ جني فيما ذكره الطِّيبي أن ابن جنّي قال: وللترخيم في هذا الموضع سرّ وذلك أنهم لعظم ما هم عليه ضعفتْ وذلّتْ أنفُسهم وصغر كلامهم فكان هذا من مواضع الاختصار.
وفي"صحيح البخاري"عن يَعْلَى بن أمية سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر {ونادوا يا مالك} بإثبات الكاف.
قال ابن عطية: وَقِرَاءَةُ (ونادوا يا مال) رواها أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيكون النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بالوجهين وتواترت قراءة إثبات الكاف وبقيت الأخرى مروية بالآحاد فلم تكن قرآناً.
وجملة {لقد جئناكم بالحق} إلى آخرها في موضع العلة لِجملة {إنكم ماكثون} باعتبار تمَام الجملة وهو الاستدراك بقوله: {ولكن أكثركم للحق كارهون} .
وضمير {جئناكم} للملائكة ، والحقُ: الوحي الذي نزل به جبريل فنسب مالك المجيء بالحق إلى جَمْععِ الملائكة على طريقة اعتزاز الفريق والقبيلة بمزايا بعضها ، وهي طريقة معروفة في كلام العرب كقول الحارث بن حلزة:
وفككْنا غُلّ امرئ القيس عنه
بعد مَا طال حبسه والعَناء...
وإنما نسبت كراهة الحق إلى أكثرهم دون جميعهم لأن المشركين فريقان أحدهما سادة كبراء لملة الكفر وهم الذين يصدون الناس عن الإيمان بالإرهاب والترغيب مثل أبي جهل حين صَدَّ أبَا طالب عند احتضاره عن قول لا إله إلا الله وقال: أترغب عن ملة عبد المطلب ، وثانيهما دهماء وعامة وهم تبع لأيمة الكفر.
وقد أشارت إلى ذلك آيات كثيرة منها قوله في سورة البقرة (166) {إذ تبرَّأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا} الآيات فالفريق الأول هم المراد من قوله: {ولكن أكْثَرُكُمْ للحق كارهون} وأولئك إنما كرهوا الحق لأنه يرمي إلى زوال سلطانهم وتعطيل منافعهم.
وتقديم {للحق} على {كارهون} للاهتمام بالحق تنويهاً به ، وفيه إقامة الفاصلة أيضاً.
أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)