لكم الأمان. بعيني ما تحملتم من أجلي، فكم من جفنت ساهر، وكم من كبد من الشوق ملآن، سأكشف لكم لمألم الحجاب عن وجهي فتتنعمون بما لم يخطر على قلب إنسان. ألبسكم حلل الرضا، وأبسط مجالسكم بالرضوان، أسقيكم شراب التوحيد صرفا خالصا، وأنا الحنّان المنّان.
يا أهل السماع تواجدوا، ويا معشر الإخوان، أين المشتاق؟ هذا الشراب، هذا كأس المتاب ملآن.
أين أنت من أهل الصفا يا مضيّعا عمره في العصيان؟ بادر قبل تغيّر الحال، فتعود بالخيبة والخسران، واعص من لامك وخالف من عدلك، وأطع من نصحك ودع قالا وقيلا.
{فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَأُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً} [سورة الإسراء 71 - 72] .
(من أَسبَاب غفران الذُّنُوب)
حُكيَ عَن بعض العارفين رَحمَه الله أَنه قَالَ حضرت سنة من السنين الْوُقُوف بِعَرَفَات فَإِذا بضجة النَّاس فتذكرت يَوْم الْقِيَامَة وَذكرت رَحْمَة الله فَأَرَدْت أَن أَحْلف أَن الله قد غفر لكل من فِي الْجمع فَذكرت أَنِّي فيهم فَأَمْسَكت
وأنشدوا
(يَا كثير الذُّنُوب أقصر قَلِيلا ... قد بلغت المدى من الْإِسْرَاف)
فَإِذا اشْتَدَّ بالخلائق الْهَلَع وَكثر مِنْهُم الْخَوْف والجزع وَبَلغت الْقُلُوب الْحَنَاجِر من خوف من يعلم الظَّوَاهِر والسرائر نَادَى الْملك الرَّحْمَن يَا عبَادي لَا خوف عَلَيْكُم الْيَوْم وَلَا أَنْتُم تَحْزَنُونَ
فَإِذا سَمِعت الْخَلَائق هَذَا النداء طمع كل مِنْهُم فِيهِ
فَيَقُول سُبْحَانَهُ {الَّذين آمنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسلمين} [سورة الزخرف 69] فَعِنْدَ ذَلِك ييأس من الرَّحْمَن جَمِيع الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ والفجار ويطمع فِيهَا من آمن بِالْوَاحِدِ القهار وَاتبع سنة مُحَمَّد الْمُخْتَار
عِنْد ذَلِك تنشر الدَّوَاوِين وتوضع الموازين وتتطاير الصُّحُف فِي الْألف فَكل امْرِئ بِمَا اكْتسب معترف فندم الظَّالِم وخسر الآثم وَظَهَرت فِي الصحائف الفضائح وَكثر الخجل وَاشْتَدَّ الوجل وبدت الفضائح وَشهِدت على كل امْرِئ حفظته والجوارح
وأنشدوا
(طَال وَالله بِالذنُوبِ اشتغالي ... وتماديت فِي قَبِيح فعالي)
(لَيْت شعري إِذا أتيت فريدا ... والموازين قد نصبن حيالي)
(والدواوين قد نشرن وَجِئْنَا ... والنبيون يشْهدُونَ سُؤَالِي)