وقوله: {وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الزخرف: 71] لأن هذه دارُ بقاء وخلود، ليس فيها موت، وليس فيها انقطاعٌ للنعمة فلا تفوتك النعمة ولا تفوتها، يعني: لذة صافية لا ينغِّصها شيء، كما قال تعالى:
{لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ} [الواقعة: 33] لأنها عطاء الله، وعطاءُ الله دائمٌ لا ينقطع.
{وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}
قوله {أُورِثْتُمُوهَا} [الزخرف: 72] أخذتموها إرثاً، والإرث يكون بعد موت صاحبه كالميت يموت ويترك ملكه وتركته لمن بعده من أولاده وأقاربه، إذن: هؤلاء يملكون التركة بدون عقد وبدون ثمن، لكن ورثوا مَنْ؟
يقول تعالى في آية أخرى:
{أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 10 - 11] قالوا: الحق سبحانه وتعالى حين خلق الخَلْق أحصاه عدداً وكتب في الميقات الأزلي كل شيء، وقد صحَّ أن القلم قد جَفَّ على ذلك.
ولما سُئِل المأمون: ما شُغل ربك الآن وقد صَحَّ أن القلم قد جَفَّ؟ قال: أمور يُبديها ولا يبتديها، يرفع أقواماً، ويخفض آخرين.
قالوا في مسألة الإرث هذه أن المؤمنين في الجنة ورثوا الكافرين وأخذوا أماكنهم في الجنة، لأن الحق سبحانه جعل لكل إنسان مكاناً في الجنة ومكاناً في النار، حتى إنْ جاء كُلُّ الخَلْق مؤمنين طائعين كانت لهم أماكن تكفيهم في الجنة، وكذلك إنْ كفروا جميعاً وُجدتْ لهم أماكن في النار.
فساعة يدخل أهلُ النار النارَ تخلُو أماكنهم في الجنة فيجعلها الحق سبحانه من حَقِّ المؤمنين ويُورثهم إياها تفضُّلاً منه وتَكَرُّماً أولاً، ثم جزاء تفوقهم في الإيمان والعمل الصالح في الدنيا.
لذلك قال: {أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف: 72] فالعمل الصالح إذن هو المعوّل الأساس في دخول الجنة، وفي إرث أماكن أهل النار.
ونلاحظ في مسألة الإرث أنه ينقل ملكية الشيء من المورِّث إلى وارثه، ويكون هذا الإرث حلالاً للوارث بصرف النظر عن مصدره من أين، من حلال أو من حرام، فلو أن رجلاً كسب مالاً من حرام فيتحمَّل هو وزره وحده ويُطوَّق به يوم القيامة.
فإن انتقل إلى الوارث كان بالنسبة له حلالاً لا شيء عليه فيه، لأن المسؤولية هنا لا تتعدى، وقد حسم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المسألة لما قال:"شرّكم مَنْ ماتَ بشرٍّ، وتركَ عياله بخير".